أبنية هدمت

سقوط الجدران الأخيرة

 حينما حاولت أن أكتب تعريفا للدور الذي أنشأت من أجله هذه المدونة لأكتبه تحت عنوان "عن هذه المدونة" ، لم أجد سوى هذه الكلمات:

«جدران مدينة متعبة» هي شهادة على وقت عصيب تمر به الإسكندرية.
"المدينة العريقة تحصد اليوم ثمار عقود طالت من الفساد والجهل وسوء الإدارة وإساءة التخطيط. بقدر المستطاع، تحاول «جدران مدينة متعبة» أن تقرأ معك بتأنٍ ما يحدث اليوم لمدينتك التي يزيد عمرها عن ألفي وثلاثمائة عام، حتى تتخذ أنت القرار: هل ستدافع عنها وعن تاريخها ومستقبلها أم ستتركها لجرافات الجهل والجشع؟"

الآن، في اللحظات التي أكتب فيها هذه الكلمات، تقوم فيها هذه الجرافات بهدم آخر جدران أحد أهم المباني التاريخية في الإسكندرية.. فيلا أجيون.

اهتمت المدونة بقضية الفيلا وتاريخها ورصدت أكثر من مرة محاولات هدمها، وكذلك في مبادرة «انقذوا الإسكندرية» تابعنا محاولات التعدي، ونظمنا وقفة احتجاجية أمامها كانت هي أكبر وأهم وقفاتنا. ونبهنا مؤخرا للأحكام القضائية التي صدرت بخصوصها.
لكنها الآن تهدم. بالقانون.

منذ مارس 2012 وهذه المدونة تبحث عن الإجابة: من سينتصر.. نحن أم جرافات الجهل والجشع؟

الإجابة الآن واضحة. 

وقائع اختفاء «سينما ريالتو»

وكأنه نفس المشهد السينمائي الحزين..
في فيلمه الرائع «سينما باراديزو الجديدة» (1988) "Nuovo Cinema Paradiso" يصور لنا المخرج الإيطالي «جيوزبي تورنَتوري» كيف ارتبطت طفولة بطله بسينما القرية التي ولد بها، سينما باراديزو (بالإيطالية: الجنّة)، وكيف تشكل وجدانه بين جدرانها العالية. في الفيلم، يعود البطل بعد ثلاثين عاما لقريته ليشهد وقائع هدم سينما باراديزو بنفسه، بعد أن تقرر استبدالها بموقف للسيارات. في مشهد بالغ الصدق، يلتف أهل القرية حول دار السينما العتيقة، يعلو صوت التفجير مدويا، ثم تتهاوى الجدران وسط سحابة كثيفة من الغبار. ومع الجدران التي لوحتها الشمس لعقود طويلة تتهاوى كذلك الذكريات والأحلام.



وكأنه نفس المشهد. اليوم في الإسكندرية، المدينة التي شهدت أول عرض سينمائي في مصر (1896)، وأول دار سينما (1897)، وأول تصوير للقطات سينمائية (1897)، وأول ستوديو سينمائي مصري (1907)، وأول مجلة سينمائية (1919)، تهدم واحدة من  دور السينما التاريخية. خطوة جديدة في سباقنا المحموم نحو محو تاريخنا وذاكرتنا.
من جديد، تفقد الإسكندرية دار سينما أخرى. واليوم كان الدور على «سينما ريالتو».
«سينما ريالتو» : من أعمال الفنانة كاميل فوكس (camillefoxart.com)
«ريالتو».. 36 شارع صفية زغلول، محطة الرمل. عنوان طالما قصده سكان الإسكندرية لعقود طويلة لمشاهدة الأفلام الجديدة.. 666 مقعد بالصالة، 439 بلكون، و20 لوج، أي 1205 نافذة كانت تفتح يوميا للخيال والسعادة والذكريات، ثلاثة أو أربعة مرات كل يوم، طوال العام.
موقع «سينما ريالتو» (1938)
نعم، بالفعل أطاح البلدوزر اليوم بما تبقى من مبنى السينما، لكن، في حقيقة الأمر، ان اختفاء «ريالتو» بدأ قبل اليوم بكثير. فمثلها مثل آلاف الأبنية التاريخية في الإسكندرية، تُركت عمدا فريسة للإهمال والإضافات والتشويهات وفشل الإدارة والقوانين، قبل أن تظهر فجأة إحدى شركات "الاستثمار العقاري" لتشتريها وتهدمها وتستبدلها بما تيسر لها من مبانٍ دميمة تقضي على ما بقي من ملامح المدينة، وتزيد من اختناق شوارعها. في حالتنا هذه، أعلنت شركة الاستثمار العقاري انها ستقوم "بتطوير" السينما. وضعوا لافتة كبيرة تقول "ريالتو تولد من جديد!" (Rialto Re-born)، وبالطبع لكي تولد من جديد، كان لابد من قتلها أولا!
 طالع الآن موقع الشركة الذي سيخبرك، بلغة انجليزية ركيكة، عن «ريالتو مول» والذي سيضم "اختيارات متنوعة من الأزياء المتميزة، والمستلزمات المنزلية، والمحلات الحديثة، بما في ذلك سينما متعددة الشاشات، ومجموعة مطاعم (food court) عالمية مثيرة للإعجاب، ومساحات تجارية للبنوك، تقع بميدان محطة الرمل". هل سيتحمل شارع صفية زغلول كل هذا؟!
بدأ الهدم الفعلي منذ نحو شهر. واتبعت الشركة المذكورة أسلوبا شديد المراوغة، فقد أعلنوا أنهم سيطورون المبنى، وبالفعل أزالوا أجزاءه من الداخل فقط وتركوا واجهاته، فظننا أنهم سيكتفون بتقسيم المبنى من الداخل فقط، وهو أسلوب متعارف عليه في التعامل مع بعض حالات المباني التاريخية. وقد جرى بالفعل تقسيم دور سينما شهيرة من قبل بالإسكندرية إلى قاعات أصغر، مثلما حدث في سينمات «مترو» و«أمير» و«رويال»، وإن تفاوتت جودة التعامل المعماري في كل حالة.
صالة سينما ريالتو الداخلية بعد بدء الهدم - عدسة رنا المحلاوي
في هذا الفيلم القصير، سجل محمد نبيل وغادة عصام وسارة سويدان كيف "تولد ريالتو من جديد!". في اللقطات المتلاحقة، نستطيع أن نرى الصالة الرئيسية بزخارفها المميزة والسلم الذي كان يؤدي إلى "البلكون" بينما يواصل عمال الهدم مهمتهم بإخلاص.

لكن الشركة المذكورة باغتت الجميع اليوم وأطاحت بالمبنى بالكامل، بلا أي مقدمات. والمبنى للأسف لم يدرج بقائمة التراث الحالية. كان مدرجا فقط بقائمة التراث التي أعدت في 1999 ولم تعد سارية اليوم. 
هدم «سينما ريالتو» بالكامل - عدسة شهاب الدين مصطفى
هدمت «ريالتو»، وهي ليست السينما الأولى، ولن تكون الأخيرة. اقرأ معي ما كتبه الأديب إبراهيم عبد المجيد عن سينمات الإسكندرية في إحدى مقالاته في 2006:
في نهاية الصيف الماضي وأنا أمشي في شارع فؤاد لاحظت إغلاق سينما فؤاد وسينما بلازا. ثم في زيارة تالية لاحظت حركة في سينما فؤاد لإعدادها لتكون "مسرح أفراح" وعرفت أن ذلك سيحدث أيضا مع سينما بلازا. وانقبض قلبي  كما حدث من قبل مع كل سينما يتم إغلاقها في الإسكندرية. من زمان وأنا أعرف أن هدم السينمات في كل البلاد العربية عملية مخططة، ليست عشوائية أبدا، وراءها بعض رجال الأعمال الجشعين الذين أرادوا الاستفادة من المكان لبناء عمارات أو أنشطة تجارية أكثر ربحا، والأهم أن وراءها أفكارا رجعية ترى فن السينما حراما لا نعرف نحن مصدر تحريمه. هؤلاء الذين فعلوا ذلك لم يعرفوا بالطبع أن شخصا مثلي سوف يتألم لسبب شخصي جدا هو أنه في هذه السينمات تلقى أول دروسه في التخيل وقيمته. وأنهم حرموا طوائف الشعب من أجمل متعة احتفالية، فرؤية الأفلام في السينما أمتع وأعظم من رؤيتها في التليفزيون، لأنه في السينما أنت تشاهد الفيلم ضمن طقس احتفالي كبير يشاركك فيه مئات الناس, وضمن صمت جليل يليق بالفن، وضمن توحيد عميق مع الجماعة من النظارة (...) كم دارا للسينما تم هدمها في الإسكندرية؟ أكثر من ثلاثين دار. ابتداءا من سينما النصر الصيفي في الدخيلة زمان إلى سينما المنتزة الصيفي مرورا بسينما الهلال بالقباري، وسينما الجمهورية براغب وسينما ستار بمحطة مصر وسينما التتويج وريتس والهمبرا والكوزمو والشرق وبارك وماجيستيك بالمنشية ومحطة الرمل، وسينما قيس وسينما ليلى بباكوس وسينما سبورتنج ولاجيتيه وأوديون وغيرهما من سينمات الدرجة الثانية والثالثة. هدمت هذه السينمات وتحولت إلى عمارات أو مولات أو تحولت إلى ورش ومخازن.."
في النهاية، لن نكف أبدا عن التذكير بأهمية تراث الإسكندرية العمراني، سواء لأسباب تاريخية وثقافية بالغة الأهمية لارتباطه بهوية سكان المدينة وذاكرتهم الجمعية وعلاقتهم التبادلية معها، أو لأسباب اقتصادية وسياحية حيث تعتمد مدن العالم على ما تملك من ملامح تاريخية باعتبارها مقومات تسويقية جاذبة للسياحة تدر عليها ملايين الدولارات سنويا، أو لأسباب نفعية ووظيفية بحتة حيث لم تعد الإسكندرية تتحمل أي مزيد من الإضافات والكثافات مع مرافقها المتهالكة وشبكة طرقها الدقيقة.
رفقا بمدينتنا المتعبة.
ووداعا سينما «ريالتو».

علاء خالد يكتب .. أمكنة: أغنياء ثورة

فوتوغرافيا: سلوى رشاد
نشرت في جريدة التحرير بتاريخ 6 أكتوبر 2012

فى أثناء مظاهرات ثورة يناير فى الإسكندرية، بعد أن تنفضّ المظاهرة ليلا، وننسلّ من الشوارع الرئيسية إلى بيوتنا فى الشوارع الجانبية، كنا نشاهد ونسمع أزيز خلاطات الأسمنت والزلط تعمل بكل طاقاتها، بينما البلدوزرات تهدم المبانى. كانت هناك نفوس أخرى لم تشغلها المظاهرات ولا الثورة، تجهد بكل ما أوتيت من قوة لكى تغتنم لحظة التحول السائبة، لتثبيت أقدامها، وعقاراتها، وضمائرها المخالفة، فى أرض المدينة. إنهم مثل هؤلاء الذين يستغلون الكوارث الطبيعية التى تحل بالمدن، كالزلازل، ويتمشون وسط الأنقاض يتشممون قطع الذهب والنقود، والأشياء النفيسة، ويخلِّصونها من بين أشياء الحياة اليومية للموتى. استغلوا ضوضاء المظاهرات ليمرروا ضوضاءهم، وضوضاء خلاطاتهم وبلدوزراتهم، دون حساب أو ضمير ينحنى لهذه الضوضاء الجماعية أو حتى ينصت إليها. حالة انتهاك مستمرة بدأت قبل الثورة، وأخذت مداها وسطوتها فى أثناء الثورة. كأن المعجزة التى حدثت كان لها سماسرة فى الانتظار. كأغنياء الحرب هم أغنياء الثورة الذين أثروا من هذا التحول، دون أن يشارك أحدهم فى التضحية، سوى التضحية المستقبلية بمئات الضحايا المنتظرين سكنى هذه العمارات المخالفة، التى أصبح سقوطها حدثا عاديا فى الإسكندرية. أصبح عمران وعمارة المدينة تحت سيطرة مقاولين لهم أتباع يلبسون جلابيب ويلفون لاسات بيضاء على رؤوسهم، ويخفون فى الجيب الداخلى للجلباب فردة سلاح. وآخرين بلباس مدنى حديث، يبيعون قوتهم لإرساء أشكال تخصهم فى العدل. أقصد حسنى النية منهم. هؤلاء متخصصون فى إخلاء أى مبنى وتطفيش سكانه بالتهديد، أو بإغراء المال، واستخراج تصريح هدمه. أو يحرسون تعلية مبنى مخالف، والسهر أمامه، وسط كركرة الجوزة، تحسبا لأى هجوم منتظر. أو تقويض أساسات مبنى أثرى بماء النار استعدادا لاستخراج تصريح بأنه آيل للسقوط. طبعا لا يحدث هذا إلا بالتواطؤ مع مسؤولى الأحياء، والشرطة، وغيرهم. أصبحت الإسكندرية مدينة مقسمة على عائلات مختصة فى حماية رأس المال الرهيب الذى يُستثمر فى العقارات المخالفة.
فى الشهر الماضى هُدم العقار الكائن فى 2 شارع كنيسة دبانة مع صلاح سالم (شريف سابقا). وهو الشارع المهم فى وسط البلد فى الإسكندرية. تكون ضفتاه متحفا مفتوحا للعمارة الإيطالية، ولم تتغير عمارته منذ ضرب الإسكندرية 1882، باستثناء إزالة مبنى الاتحاد الاشتراكى (البورصة القديمة) بعد حرقه فى مظاهرات الخبز عام 77. وتم إدراجه منذ 2007 فى قائمة التراث العمرانى لمدينة الإسكندرية، تحت رقم 63.
هدم المبنى ترك فراغا فى الشارع. كما يترك الضرس المخلوع فراغا تظل تتحسسه بلسانك باستمرار. لماذا لا يحدث كما فى الخارج، أن يحتفظوا بالواجهة المميزة للمبانى الآيلة للسقوط ويبنوا من خلفها، لحفظ عمارة الشارع. أو أن يتم تعويض أصحابها وتحويلها لمتاحف أو غيرها من النشاطات.
قبل هدم هذا المبنى مررنا عليه كثيرا، كأننا نودعه. كان مسيَّجًا بسرادق، كأنه سرادق عزاء، وهناك جريمة وميت، يريدون أن يواروه تحت التراب سريعا.

المجد للبلدوزر

عدسة: إيهاب زاهر
ضربة جديدة موجعة، جاءت هذه المرة، ولأول مرة، في واحد من أهم وأجمل شوارع المدينة المتعبة، شارع شريف (صلاح سالم)، تحديدا عند تقاطعه مع شارع «كنيسة دبانة».
إنه شارع شريف يا أهل الإسكندرية، الشارع الوحيد الذي لا يزال محتفظا ببعض رونق مدينتكم. الشارع الذي تبارى فيه معماريو القرن التاسع عشر والقرن العشرين في إظهار مهاراتهم، وفي احترام بعضهم البعض في الوقت ذاته، فجاءت كل مبانيه بنفس الارتفاع ونفس النسب، برغم الاختلاف في الطرز ومواد البناء.
شارع شريف (aaha.ch)
ها هي الضربة الأولى لعمارة هذا الشارع. فماذا أنتم فاعلون؟ 
عدسة: نور عمار
الضربة مختلفة هذه المرة، فلأول مرة تصل الجرافات لمثل هذا "الحجم" من الأبنية التاريخية.. لقد تم القضاء على الغالبية العظمى من الفيلات الفريدة والبيوت صغيرة الحجم بطول الإسكندرية وعرضها، وحان الآن دور العمارات السكنية القديمة... المجد للبلدوزر! 
بناية سكنية من أربعة أدوار من أقدم المباني الموجودة في هذا الشارع الفريد، من يتخيل أن مالكها سيتمكن من اخلاء جميع شقق الأدوار السكنية وجميع المحال التجارية، ثم يتمكن من الحصول على حكم قضائي مشفوع بتقارير خبراء وزارة العدل الذين رأوا أن المبنى آيل للسقوط ويتوجب هدمه حتى سطح الأرض، ثم يستخرج جميع التصاريح اللازمة، ويبدأ الهدم. 
عدسة: أحمد نبيل
كله بالقانون!
فإن أبديت استياءك وتساءلت كيف يكون المبنى آيلا للسقوط بينما يبدو سليما عفيا بلا شروخ أو تصدعات برغم قِدمه، بل وقد استغرق صاحبه نحو أسبوعين متواصلين يعمل على هدم جدرانه؟ فتجد من يغضب لما ترمي إليه، فيعلو صوته مدافعا عن القانون.. ويحك! كيف تجرؤ؟ انه القانون! حكم المحكمة!! والحكم عنوان الحقيقة!  
تمام!
أين القانون إذن من عشرات الآلاف من الأبراج المخالفة؟ أين القانون من هدم المباني المسجلة بقائمة التراث أمام مرأى ومسمع الجميع؟ 
ألا يطبق هذا القانون إلا في خراب المدينة فقط؟ 
.........!

سأتركك الآن لصور المبنى الذي رأى خبراء وزارة العدل أنه آيلا للسقوط وخطرا داهما على المارة، فهدمه صاحبه هذا الأسبوع... إنه العقار 2 شارع كنيسة دبانة، تقاطع شارع شريف باشا، والذي أدرج في 2007 في قائمة التراث العمراني لمدينة الإسكندرية، تحت رقم 63. 
ومكانه الآن أرض فضاء تنتظر مخالفة جديدة.
عدسة: إيهاب زاهر

عدسة: إيهاب زاهر
عدسة: ميرهان دمير
عدسة: محمد أبو الخير

بعض ما تم هدمه في يوليو

فيلا النقيب
اهتمت المدونة بقرار السيد كمال الجنزوري بمحو فيلا النقيب من قوائم التراث فور صدوره. القرار جاء بناءا على حكم محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية. 
في بداية يوليو تم هدم الفيلا، التي تغطيها الأشجار بشكل كامل، بشكل عاجل ودون إظهار ما يفيد حصول المُلاك على رخصة هدم من الحي. وبالطبع كما هدم المبنى التاريخي الذي كان يوما سكنا للملكة ناريمان، آخر ملكات مصر، ستقطع كذلك كل هذه الأشجار ليحل محلها برج سكني خرساني جديد.
2007
مايو 2012
مايو 2012
يوليو 2012

فيلا 553 ش أبو قير - جليم
الدور الأرضي من هذه الفيلا كان حتى وقت قريب مقرا لأحد محال المفروشات مما ساعد على الحفاظ عليها والعناية بها. ثم اختفى المحل وامتلأ السور الخارجي بلافتات تعلن عن خلافات قضائية بين أطراف يتنازعون عليها، قبل أن تطيح الجرافات بها فجأة أيضا في الأسبوع الأول من يوليو. 
2006
2007
يوليو 2012

بعض ما تم هدمه في يونيو

ماذا فقدت الإسكندرية في يونيو 2012؟
هذا حصر لبعض ما هدم. هذا هو ما استطاع بعضنا تسجيله قبل أو بعد أن يهدم. الصدفة هي معيار التوثيق هنا.
الغالبية العظمى من هذه المعلومات مصدرها مشاركات أعضاء صفحة انقذوا الإسكندرية على فيسبوك. كثير منهم حاولوا انقاذ المباني قبل وأثناء هدمها بإبلاغ السلطات وبالكتابة على الإنترنت.
لهم كل التحية. 
أما المسئولون والتنفيذيون في هذه المدينة المنكوبة.. فلكم كل العار.


ا. 89 شارع عبدالسلام عارف، جليم.

عدسة: محمد عادل دسوقي
كتبتُ هنا محبطا منذ نحو شهر عن هذه الفيلا، بعد أن هُدم جزء من واجهتها بالمخالفة للقانون. كتبت أن الحال ظل على ما هو عليه بعد الجريمة. ظننت أن هذا هو أسوأ ما يمكن أن يحدث لهذا المبنى، فهو مسجل بقائمة التراث ومحميّ بقوة القانون...
كنت ساذجا...
عدسة: هبة مؤنس
عاودت البلدوزرات هجومها على المبنى ليلا أول أيام شهر يونيو. وحاول جيران المبنى التصدي لهم، وإبلاغ النجدة. واستمرت لعبة القط والفأر بين الجيران وبين عمال الهدم لعدة ليال. حتى تم هدم المبنى بالكامل!
سأنقل هنا ما كتبته د. دينا سامح طه، وهي أستاذ العمارة المساعد بكلية الهندسة بجامعة الإسكندرية وعضو لجنة التراث بالمحافظة، وما كتبنه م. هبة مؤنس، المعيدة بقسم العمارة بكلية الفنون الجميلة، وكذلك أ. مروة منير طه، إحدى جيران الفيلا على صفحة انقذوا الإسكندرية، ففي شهاداتهن توثيق هام لأحداث الهدم: 

د. دينا سامح طه: فيلا 89 عبد السلام عارف يتم هدمها الان... برجاء على الأقل الاتصال ببوليس النجدة والإبلاغ..
 قمت بإبلاغ النجدة بعد منتصف الليل بعدة دقائق.. وفى تمام 1:43 جاءنى اتصال من غرفة عمليات المحافظة لإخبارى أن بلاغي قد تم تحويله للحي التابع له العقار.. حى إيه االساعة 1:43 بعد منتصف الليل، والهدم شغال على ودنه؟ فأجاب المتصل بكل ثقة: أمال عايزة إيه؟؟ روحي قدمي بلاغ فى القسم!
امتى حيكون فيه قانون يحترم فى هذه البلد.... لك الله يا مصر!

أ. مروة منير طه: حد يعرف مين الناس دي اللي كل يوم بيكملوا هد الفيلا الأثرية دي اللي علي ترام جليم؟؟ بيبدأوا بعد نص الليل في التكسير. وكل يوم بنتصل بالشرطة العسكرية والمدنية، بس الظاهر ان الناس كلها واكلة في الموضوع ده جامد... أرجوكم يا جماعة شير... ويا ريت نسأل فين محافظ الاسكندية والجيش.
عدسة: مروة منير طه
أ. مروة منير طه:  نص الفيلا انهااااااااااار .... طبعا ناس كتير كانت نايمة وقاموا مخضوضين علي الصوت والتراب. والسكان بدأوا يشتبكوا ويشتموا في الحرامية وطبعا الحرامية بدأوا يردوا علي القزاز اللي كنا بنرميه والشتيمة بضرب نار في الجو. وطبعا بعد ما فقدنا الأمل في وجود الجيش والشرطة بعد ساعتين من البلاغات.. وطبعا زي ما انتوا شايفين نص الفيلا انهااااااااار..

عدسة: مروة منير طه
أ. مروة منير طه: الصورة دي بعد 3 ساعات لما البوليس وصل، وماعرفش يمسك غير كام فرد من أصل حوالي أكتر من عشرين فرد، وطبعا الأهالي نزلت وبهدلت الحفار والكراك عشان محدش يقدر يحركهم، بعد ما الشرطة رفضت تاخد المعدات حرز أو تسيب عساكر حرس للمكان. أنا فخورة بأهالي منطقتي... تحيا جليم!

مروة منير طه
أ. مروة منير طه: طبعا شكل الفيلا الصبح بعد المأساة امبارح.. المهم ان الناس بتقول انها أثرية علشان بتاعة آسيا داغر منتجة السينما، وصاحبها دلوقت راجل مهاجر أمريكا وفيه محامي في المنطقة مزور ورق، وكان بيأجرها بقاله كذا سنة وهوا اللي ورا البلطجية اللي بيحاولوا يهدوها باليل..

عدسة: هبة مؤنس
م. هبة مؤنس:  التاريخ: 3 مايو 2010: تم هدم الجزء الامامى بالكامل ولم يبقى بها سوي الجدار الخلفى واللودر لازال منذ الثامنة صباحا يفتت الكتل الخرسانية والطريق شبة مشلول بالكامل من ردم "ما كانت فيلا".. 
هل المبنى مدرج فى قائمة الحفاظ على التراث؟ هل فعلا تم أخذ قرار بالهدم أم أنه قرار مزور؟؟
وإنا لله وإنا إليه راجعون.
     
م. هبة مؤنس: تم هدم فيلا جليم بالكامل بالأمس. وجاري تفريغ بقايا الردم من السادسة صباحا حتى الان, والان اللودر والعمال بالموقع لتكسير كتل الاحجار, حاولت الاتصال بالنجدة، ولم أستطع الوصول تليفونيا لهم.
                
م. هبة مؤنس: كان هذا المبنى في طريقي اليومي طوال الأحد عشر عاما الماضية. كان ذلك المبنى وجاره بسمتى فى "جليم" بجوار بعض الفيلات الأخرى فى "سابا باشا". أمر بجانبهم فأتشمم نسمة هواء مختلفة وضوء شمس غير معتاد وسط تلك المبانى الشاهقة المحيطة. لا أستطيع اليوم بعد رؤيتي لهذا المبنى متهدم بالكامل إلا أن أقول: لقد انطفأ جزء من بسمتي المشروخة.. وداعا إلى الأبد.
..............................................................................

ب. النادي اليوناني، الإبراهيمية

أثارت أخبار قرب هدم النادي اليوناني بالإبراهيمية ضجة كبيرة منذ نحو ثلاثة أشهر. كتبت إيزيس خليل، وهي ناشطة سكندرية، رسالة وقتها على فيسبوك بعنوان "اصرخوا قبل أن ترفعوا الراية البيضاء" تنعي فيها عمران الإسكندرية التاريخي المنكوب، فكان لكلماتها وقع كبير بين مستخدمي الإنترنت في مصر. واهتمت وسائل الإعلام بالقضية بشكل كبير.
مبنى النادي اليوناني في واقع الأمر ليس مدرجا في قوائم التراث، ويحق لذلك لملاكه أن يتقدموا بطلب لهدمه (لا أعرف هل قاموا بذلك أم لا). ذكرت وسائل الإعلام أن بناءه يرجع إلى عام 1942. هو مبنى سكني بسيط يتكون في الأصل من ثلاثة أدوار بخلاف دورين تمت إضافتهما بشكل رديء في زمن لاحق، ويأتي النادي اليوناني (الإسم الدقيق هو نادي الجمعية اليونانية - آسيا الصغرى) بالدور الأرضي منه. 
في الأسبوع الأول من يونيو تم هدم المبنى بالكامل. من كتبوا على الإنترنت وصفوا الأمر أنه "انهيار" و ليس "هدم". الصور أيضا لا يظهر بها أي بلدوزرات. كيف انهار المبنى؟ لا أعرف.
ملاحظة أخيرة: الشارع الذي يقع عليه مبنى النادي اليوناني بالفعل لا يتجاوز عرضه خمسة أمتار... ترى، كم سيبلغ ارتفاع البرج السكني الذي سيبنى غدا بدلا منه؟ 
سنرى!
عدسة: محمد عادل دسوقي
عدسة: Ahmed Toldo
عدسة: Ahmed Toldo
........................................................................

جـ. 79 شارع فؤاد (طريق الحرية)

اذن، وصل الهدم إلى شارع فؤاد، الشارع الأهم والأقدم في الإسكندرية.
المبنى كان قد تشوّه بالفعل منذ سنوات عندما تم ترميمه بشكل ركيك طمس ملامحه تماما. ثم هدم بالكامل في الأسبوع الثاني من يونيو.
عدسة: محمد عادل دسوقي
عدسة: د. سحر ضرغام
عدسة د. سحر ضرغام
...............................................................................

د. 47 شارع عبد السلام عارف، سابا باشا

عدسة: محمد عادل دسوقي
عدسة: محمد عادل دسوقي
عدسة: محمد عادل دسوقي

 عدسة: محمد عادل دسوقي

عدسة: هبة مؤنس

........................................................................

هـ. 62 شارع الاسماعيلية، كفر عبده

هذه الفيلا ليست مدرجة بقائمة التراث. الصديق أحمد حبيب هو من رصد التجهيز لهدمها. كتب في مشاركة على فيسبوك: 
الحمد لله الفيلا لغاية انهاردة الصبح ماكنتش اتهدت وعرفت آخد صورة بالعافية..
بعدها بساعتين بالظبط كانت اتهدت!
عدسة: أحمد حبيب

الشعب يريد .. مدينته

صور من وقفة  "أوقفوا تدمير الاسكندرية" من أمام الموقع الذي كان يشغله مبنى المحافظة، يوم الجمعة 27 ابريل 2012.
الوقفة سابقة من نوعها. هدفها، طبقا لوصف صفحتها على فيسبوك، هو:
وقفة احتجاجية أمام أرض ديوان المحافظة القديم بشارع فؤاد لوقف أعمال الحفر والانشاءات القائمة بالموقع والتي تهدف لإعادة بناء ديوان المحافظة بنفس المكان في تجاهل تام لكل الآراء المتخصصة وكل أصوات الشعب السكندرى المنادية بوقف البناء لحين عمل المسح الأثري اللازم والدراسات المتخصصة للموقع للوقوف على الاستخدام الأمثل للأرض من الناحية التخطيطية والمعمارية والتراثية والأثرية (امتداد للمتحف / حديقة أو ساحة عامة / ...) واختيار مكان آخر أكثر ملائمة للمبنى الجديد للمحافظة وإشراك المجتمع في الأمر عن طريق عرض النتائج على المتخصصين والمواطنين قبل الشروع في التنفيذ.










الصور : محمد عادل دسوقي

الشجرة


شجرة "تين بنغالي" Ficus Benghalensis وبتتسمى كمان "شجرة طرزان" عشان الأفرع الكثيفة بتاعتها، اللي هي أصلا جذور هوائية بتنزل من الأفرع الكبيرة ولما بتوصل للأرض يتلتحم ببعض وبالجذع الأصلي. هي شجرة كثيفة ودائمة الخضرة على مدار السنة وموطنها الأصلي الهند.
الشجرة دي واحدة من الأشجار اللي زرعها الأمير عمر طوسون (1872-1944)، أمير الإسكندرية، المثقف المستنير، المؤرخ، عالم الجغرافيا، المستكشف، الأثري، السياسي الوطني، ورئيس الجمعية الزراعية الملكية اللي كانت مسئولة عن تطوير الزراعة  وتنمية الأنتاج الحيوانى في مصر... أيوه! كل ده!
عمر طوسون اتولد وتوفى في اسكندرية، و قصره كان في الحتة دي اللي اتاخدت فيها الصورة مطل على قناة المحمودية، اللي كانت شريان المياه العذبة اللي بيغذي اسكندرية وكانت منطقة سكن للأثرياء وقتها قبل ما تتحول وتبقى مستنقع ومصرف محاط بمصانع الصابون والعشوائيات. القصر كان إسمه القصر نمرة تلاته.
الشجرة النهاردة مابقتش جوه القصر، لإن النهاردة مابقاش في قصر.
القصر اختفى، لكن هي فضلت في مكانها.
الشجرة النهاردة بتستخدم كمخزن.
مخزن إطارات كاوتش مستعمل.
عمر طوسون

مبنى محافظة الإسكندرية : بداية ونهاية

1. مشهد البداية

مبنى البلدية الأصلي
 (عن موقع  L'Egypte d'Antan)
في السنين الأولى من حكم "الضباط الأحرار" لم تكن هناك غضاضة من استمرار كل مؤسسات الدولة على ما كانت عليه قبل الثورة. تغير ذلك السلوك كثيرا بعد ذلك بسنوات قليلة. بعد ثورة يوليو ظل مقر بلدية الإسكندرية أو المجلس البلدي يشغل نفس المبنى الذي ظل يشغله منذ أواخر القرن التاسع عشر بشارع فؤاد (طريق الحرية).  لكن احتياجات البلدية كانت تزيد مما استلزم التوسع. في كتيب "بلدية الإسكندرية في عهد الثورة" نقرأ هذه السطور:
وأصبح هذا المبنى قاصرا عن أن يفي بالغرض منه بسبب التوسع المستمر في أقسام البلدية لمجابهة الخدمات العمرانية المتزايدة علاوة على قدم المبنى وحاجته المستمرة إلى الترميم والإصلاح مما كان يحمل البلدية أعباء مالية سنوية متزايدة خصوصا اذا لوحظ أن سقفه العلوي كان بحالة سيئة للغاية تستدعي سرعة تغييره، و كان يصرف على إصلاحه مبالغ كبيرة كل عام.
ونظرا لأن موارد البلدية كانت قاصرة عن إنشاء مبنى جديد يضم أقسام البلدية فقد قرر المجلس البلدي في أوائل عام 1954 اصلاح المبنى وترميمه وتجميله وانشاء دور ثالث علوي جديد فوقه وقد تم ذلك المشروع في عام 1957 وبلغ ما صرف عليه مبلغ 55000 جنيه.
بهذا المبلغ، وبدون أن يُهدَم المبنى القديم، تحول مبنى البلدية إلى مبنىً حداثي modern ذي خطوط بسيطة أضفت عليه انطباعا رسميا أنيقا. وجاء منحدر السيارات الجديد المؤدي إلى المدخل الرئيسي ليكمل هذا الانطباع الذي جاء مناسبا جدا، في رأيي، مع حداثة ورؤية الدولة المصرية الناشئة في هذا الوقت. أغلب الظن أن المعماري فؤاد عبد المجيد، مراقب المباني والأعمال البحرية آنذاك، هو من قام بتصميم هذه الإضافات. 
1957 : دار البلدية
( بلدية الإسكندرية في عهد الثورة)

الطابق الذي أضيف للمبنى ضم قاعة ضخمة للاجتماعات كسيت جدرانها بالخشب ذي الزخارف الكلاسيكية (انظر الصور)، وضم أيضا قاعة مكتب المحافظ الفسيحة والقاعات والأروقة الجانبية المحيطة بها.
وحملت واجهة المبنى  نحتا بارزا دقيق الصنع لشعار مدينة الإسكندرية العريق، والذي تقف فيه "إيزيس فاريا"، حامية الملاحين، فى مقدمة سفينة تحمل البردية التي دونت عليها الإسكندرية أسرار العلم والحكمة على مر العصور، وخلفها يقف فنار الإسكندرية القديم، أحد عجائب الدنيا القديمة.
شعار مدينة الإسكندرية
وفي عام 1960 صدر قانون الإدارة المحلية، وأصبحت "بلدية الإسكندرية" بعدها بقليل "محافظة الإسكندرية"، واحدة من 24 محافظة شكلت ما أصبحت تسمى وقتها "جمهورية مصر العربية" .
مبنى محافظة الإسكندرية في الستينيات
(الإسكندرية : الحكم المحلي 1961 - 1964)
وتعاقب على مبنى محافظة الإسكندرية منذ تطويره بعد ثورة يوليو 16 محافظا، كان منهم من أضاف للمدينة ومنهم من أساء إليها ومنهم من لم يترك أي بصمة تذكر. أولهم كان محمد مصطفى الديب (1952-1957) وآخرهم عادل علي لبيب (2006-2011).

2. مشهد النهاية

لكل ثورة أخطاؤها. علينا أن نعترف بذلك. 
مشهد النهاية لمبنى المحافظة كان أحد هذه الأخطاء.
لم يكن هناك ما ينذر بما سيحدث مع الشرارة الأولى للثورة. يوم الخامس والعشرين من يناير اشتعلت التظاهرات أمام المبنى، رمز النظام الحاكم في المدينة. ردد المتظاهرون الهتافات الغاضبة أثناء مرور مسيراتهم أمامه. لم تحدث أي مواجهات، ومر الأمر بسلام.  لكن الأمور اختلفت تماما يوم الثامن والعشرين.

التظاهرات في 25 يناير 2011
(الصورة من موقع أنباء الإسكندرية المصورة)
لن تنسى مصر أبدا يوم الثامن و العشرين من يناير 2011. جمعة الغضب. يوم امتلأت الشوارع بالغاضبين من كل فئات وطبقات المجتمع في كل مدن مصر تقريبا. في الإسكندرية، ما أن ختم المصلون صلاة الجمعة بمسجد القائد ابراهيم حتى بادرت قوات الأمن المتربص بالهجوم بكل وحشية وبلا أي مقدمات.  في الوقت الذي قُطعت فيه كل وسائل الاتصال في سابقة من نوعها. تساقط العُزل اختناقا أو رميا بالرصاص. تعددت الأسباب... وتحولت الإسكندرية إلى ساحة حرب حقيقية. وأمام الدم والصرخات والدموع والطلقات الحية والاتصالات المقطوعة أصبح الغضب أضعافا. ساعات وكان السقوط المدوي للأمن بكل جبروته وتسليحه أمام الغاضبين.
بقى الغضب عارما، فبحث الغاضبون عن هدف ينفثون فيه هذا الغضب، ومع الاختفاء التام للأمن بكل أشكاله، بدأ الهجوم على مقار الشرطة والحكومة والحزب الحاكم. في مثل هذه اللحظات تتحول الجدران إلى رموز. وتصبح الأبنية التي ارتبطت بنظام ظالم أصناما يستوجب تحطيمها.
وهنا كان الخطأ.
تحول التظاهر حول مبنى المحافظة يوم الثامن والعشرين إلى هجوم جماعي تروي تفاصيله بعض الصور وبعض لقطات الفيديو على "يوتيوب". تمكنت الأعداد الكبيرة من اقتحامه، وانطلق الغاضبون بين المكاتب والقاعات يبحثون عن صور مبارك (وما أكثرها!) ورموز حكمه ليحطموها ويشعلوا النيران فيها. لكن من الواضح أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فمع الثوار الغاضبين وجدها آخرون فرصة سانحة للنهب والتخريب، فألقوا الأوراق والمستندات من النوافذ، ونهبوا ما خف حمله من أثاث وتُحف، قبل أن يضرموا النيران فيما تبقى. 
نهب محتويات قاعة الاجتماعات الرئيسية: اللوحة التي تشغل الحائط المواجه هي لوحة "مدرسة الإسكندرية" الشهيرة لمحمد ناجي
(الصورة من موقع صوت الإسكندرية)
نهب وتخريب محتويات القاعة الرئيسية للمبنى: لوحة "مدرسة الإسكندرية" تظهر في الخلفبة. أما اللوحة المستهدفة في مقدمة الصورة فقد تكون لوحة الفنان محمود حلمي
(الصورة من موقع أنباء الإسكندرية المصورة وهي من تصوير أحمد طارق)

لقطات للاعتداء على المبنى.

ومع انتصاف النهار ارتفعت ألسنة اللهب من مبنى المحافظة.
الحريق
(عدسة عبد الله داوستااشي)
من الواضح أن المبنى الأصلي الذي جرى تطويره وتعليته عام 1957 كانت أسقفه مصنوعة من الخشب، بينما كان التطوير معتمدا بشكل اساسي على إضافة غلاف خارجي من الخرسانة المسلحة، لذلك أتت النيران على المبنى من الداخل بالكامل وانهارت كل طوابقه بينما ظلت واجهات الغلاف الخارجي صامدة لبعض الوقت، قبل أن تنهار هي الأخرى. و ربما زادت مياه الإطفاء (الذي تأخر كثيرا جدا) الطين بلة. واستمرت الأدخنة تتصاعد من المبنى لعدة أيام.
محاولات الإطفاء
الانهيار
(الصورة من موقع الأهرام)
أنقاض
(عدسة عبد الله داوستاشي) 
بعد رفع الأنقاض
(الصورة من موقع Attia Photography)

3. أبعاد الكارثة 

انهار المبنى، واختفى معه جزء كبير من تاريخ الإسكندرية، بعمارته وتصميمه الداخلي وأثاثه ومستنداته ووثائقه وكتبه. هل انتشل مقاول رفع الأنقاض أي من هذا؟
النحت البارز لشعار مدينة الإسكندرية قبل انهيار الواجهة.
(الصورة من منتدى الواحة المصرية)
الحريق أسفر أيضا عن "محرقة كبيرة" للتراث الفني الذي كان موجودًا بديوان المحافظة. كتب عنه الفنان الكبير عصمت داوستاشي في مقال له بالأهرام وصف فيه الخسائر:  
قاعة ديوان عام المحافظه والتي تضم مجموعة من أهم لوحات رواد الفن المصري الحديث ومنها اللوحه الملحمية الكبيرة "مدرسة الاسكندرية" لرائد الفن المصري الحديث محمد ناجي (1888-1959)، ولضخامة اللوحة الجداريه لعل البلطجية مزقوها او تركوها تحترق مع ما أحترق بالمبني الذي تحول الي كوم من الركام (...) بدأ ناجي في رسمها عام 1939 وعرضها ببينالي فينسيا 1954 بعدعمله كمدير للأكاديمية المصرية للفنون بروما من 1947 إلى 1950. وقد احترقت او نهبت معها لوحات هامه كانت علي جدران نفس القاعة عددها ثمانية وهي: لوحة "أعلام الاسكندرية" لسيف وانلي (1905-1979) والتي رسم فيها وجوه سيد درويش، زكريا احمد، محمود سعيد، محمد ناجي، ورسم وجهه ووجه شقيقه أدهم وانلي (1908-1959) الذي كانت له لوحة جميلة تمثل كورنيش الاسكندرية وبائع الذره المشوية. واحترقت لوحة الفنانه الرائده مارجريت نخلة (1908-1977) لشاطئ ستانلي، ولوحة الرائد الكبير حسين بيكار ابن الإسكندرية (1913-2002) تمثل موسم الحصاد، ولوحة الفنان محمود حلمي (1916-1997) وهي لوحة تجريدية تمثل المدينة، ولوحة كامل مصطفي (1917-1982) لمنظر للريف المجاور للاسكندرية، ولوحة الفنان حامد عويس (1919-2011) وتمثل الفلاح في الحقل، ولوحة الفنان الشاب في ذلك الوقت محمد فؤاد تاج الدين (1933) ورسم فيها حواء سكندرية. كما احترقت وفقدت اعمال فنيه لكثير من فناني الاسكندرية الرواد كان بعضها في حجرة المحافظ ومعظمها موزعه علي جدران المبني الداخلية وهي للفنانين محمود سعيد (1897-1964) سعد الخادم (1913-1987) وعفت ناجي (1905-1994) ومحمود موسي (1913-2003) وغيرهم. ومن الفنانين المعاصرين عبد السلام عيد ومحمد شاكر واحمد خليل وكاتب هذه السطور (عصمت داوستاشي) واخرين.. ومعظم هذه الاعمال من اهداء الفنانين للمحافظه لذلك لايوجد توثيق رسمي به.
والآن، بعد أن "راح اللي راح"، ماذا نفعل في أرض المبنى الخالية؟ هل نعيد بناء مبنى المحافظة كما كان؟ هل نقيم مبنى جديدا للمحافظة في نفس الموقع؟ أم في موقع آخر؟
الإجابة ستحتاج تدوينة أخرى.


View ديوان عام المحافظة in a larger map

مشاركة منشورة على صفحة اسكندرية حبيبتي على فيسبوك من دكتور هدى عبد الرسول.
التعليق المصاحب للصورة يذكر أنها لفيلا كانت بشارع الشهيد جلال الدسوقي (رقم 115) بوابور المياه، بيعت في 1984 لشركه قامت بهدمها في 1988. ثم بيعت الأرض الفضاء بعد ذلك لنقابه صيادله الاسكندرية وأقيمت عليها اربعة عمارات سكنية. يتعذر التأكد من دقة كل هذه البيانات، لكن الأغلب هو صحتها.

24 عاما على رفع "الراية البيضا"


"الجالسون على الرصيف حول فيلا أبو الغار بالإسكندرية ينادونكم للجلوس معهم، حتى لا يُضطر الدكتور مفيد أبو الغار وفريقه إلى رفع الراية البيضا."


هل تصدق أنه قد مر 24 عاما على هذه الاستغاثة الرمزية؟

24 عاما مرت منذ إنتاج هذه الدراما التي نادت بالحفاظ على القيمة والهوية وعلى شخصية مدينة الإسكندرية العمرانية، على الرغم من أن التخريب يومها كان يتم في أماكن متفرقة وبشكل غير ممنهج كما هو الحال اليوم.

24 عاما هدمت فيها -ولا تزال- آلاف الفيلات والأبنية الجميلة التي شيدها معماريون وبناؤون يُقدّرون آدمية من يسكن ومن يعمل ومن يسير على قدميه في الشارع والميدان، وتم استبدالها بمسوخ خرسانية دميمة، شديدة الضخامة من الخارج، شديدة الشح في المساحات والارتفاعات من الداخل، لا تعرف الشمس ولا الهواء ولا الخُضرة. 

24 عاما لم يزد فيها "تتار الزمن الأغبر"، كما أطلق عليهم أسامة أنور عكاشة، إلا مزيدا من الاجتراء والقدرة على التدمير.

24 عاما لم ننجح في تقديم أي حلول تخطيطية أو قانونية أو اقتصادية لهذا الخراب كما فعلت باقي دول العالم التي حافظت على هوية مدنها لترسيخ قيم الانتماء والوطنية لدى أبنائها أو على الأقل لاجتذاب المزيد من السياحة، وفي الوقت نفسه لم تتوقف بها التنمية والتعمير.

24 عاما، وما من مجيب! لم تهدأ البلدوزرات ولو قليلا، بل حتى الفيلا التي تم تصوير المسلسل بها على كورنيش الإسكندرية، واحدة من فيلتين كان يملكهما عثمان باشا محرم، هي نفسها هدمت! 

مفارقة مؤلمة.

قدرنا أننا عشنا ولازلنا نعيش في زمن "فضة المعداوي".




صورة: "التنمية العمرانية" في الإسكندرية اليوم

تصوير محمد عادل دسوقي في 2003 و 2005.
التنمية العمرانية في الإسكندرية اليوم: مثال من حي رشدي، يشبه غيره من آلاف الحالات بطول الإسكندرية وعرضها، حيث هدمت البناية الصغيرة التي بالفعل كان يسكنها أسرتان فقط عند تقاطع شارعي رشدي وأحمد شوقي، و حل محلها "برج" من أربعة عشر دور يقطنه اليوم أكثر من 200 شخص، بخلاف المحلات التجارية بالدور الأرضي.
حسنا.. دعونا نطرح بعض الأسئلة البديهية:
هل يستوعب الشارعان المجهَدان بالفعل هذا الفارق؟
هل صممت البنية التحتية لتتحمل هذه الزيادة الجنونية؟
هل يتسع موقف سيارات البرج لكامل سيارات أصحاب الشقق؟
هل يوجد أي موقف سيارات عام في هذا الحي؟
هل يتفق كل هذا مع القواعد المنصوص عليها في قوانين و أكواد البناء؟
هل تسمح أصلاً سائر المدن المعمورة في باقي دول العالم بالبناء على 100% من مساحة الأرض، بل ويضاف لذلك أيضا البروزات و"الشكمات"؟ 
هل ستتحمل المدينة هذه "التنمية" إلى ما لا نهاية؟
و الإجابة المدهشة لكل هذه الأسئلة واحدة:
لا!