الذاكرة الجمعية

فوبيا الفوتوغرافيا

إهداء إلى د. نادر غريب، رفيق البحث وشريك الاكتشافات
(1)
بالصدفة كنت أحمل الكاميرا، وبالصدفة مررت بجوار هذا البيت المتهالك عند تقاطع شارعين ضيقين بحي «كامب شيزار». استوقفني للحظة. مثل هذه المباني صار هو الغريب وسط ما يحيط به من أبراج سكنية حديثة شاهقة زاعقة قبيحة. لا شك أنه الآن أقدم مبنى في هذين الشارعين. بدا كعجوز ساكن وحيد وسط عصبة من قُطّاع الطرق. هل هو مهجور؟ إلى متى سيصمد أمام الإهمال أو أمام البلدوزر؟ أخرجت الكاميرا والتقطت عدة صور من أكثر من زاوية بشكل سريع، واستدرت مكملا طريقي.
خطوتان فقط، أوقفني بعدهما فتىً لا يتجاوز السابعة عشر من عمره. اعترضني بيده بشكل مباشر وبلا مقدمات وهو يسأل بعدوانية عن سبب التصوير. أجبته بابتسامة باردة أنني مهتم بالمباني القديمة وانها  جزء من عملي، وإثباتا لحسن النوايا أخرجت له كارت شخصي يحتوي على اسمي وعملي ورقم هاتفي، وهممت باستئناف طريقي. فما كان منه إلا أن أطاح بالكارت في الهواء باستهانة قبل أن يمد يده ليوقفني بشكل أعنف لم يكن من الممكن تجاهله، فدفعته غاضبا. تطور الموقف في لحظات. حاول أن يتعدى عليّ فعاودت دفعه قبل أن يحاول بعض المارة وأولاد الحلال أن يفصلوا بيننا. وفي اللحظة التي ظننت فيها أن الأمر قد انتهى عند هذا الحد فوجئت برجل خمسيني (أدركت بعدها أنه والد الفتى) يخرج هائجا من البيت القديم نفسه بملابس البيت مندفعا نحوي وسط عاصفة من السباب مستهدفا الكاميرا نفسها هذه المرة، مما اضطرني أن أصده بقوة مدافعا عن الكاميرا، فتراجع مترنحا. فعاد الفتى ليحاول الاعتداء عليّ مرة أخرى فيما واصل الآخرون التفريق بيننا. ثم كانت ذروة الأحداث وأكثرها سيريالية حينما خرجت سيدة مُسنة (نعم، أم الفتى) من شرفة الدور الأرضي للمبنى نفسه لتقذفني بكل ما أوتيت من قوة بثلاثة قوالب متتالية من الطوب الأحمر (!) مر أحدها على بعد سنتيمترات من رأسي قبل أن يرتطم بسيارة حديثة كانت تقف بجوار الرصيف المقابل.
نجح المارة والجيران في النهاية في إبعادي عن المكان واقناع الفتى وأبيه وأمه بأن "كده غلط، ميصحش" واعتذر لي عدد منهم، وإن بدا على وجوههم شيء من اللوم، "يعني، ما انت كنت بتصور برضه". تركتهم سريعا وأكملت طريقي حانقا نحو سيارتي التي كنت قد أوقفتها بمعجزة في نهاية الشارع الضيق.
 (2)
لعل هذا الموقف هو أكثر المواقف التي تعرضت لها تطرفا أثناء تصوير أحد أبنية أو شوارع بالإسكندرية، لكنه بالتأكيد ليس حادثا استثنائيا. في جعبتي الكثير من القصص. منذ عدة سنوات شاركت في حصر المباني بقائمة التراث العمراني بمدينة الإسكندرية، وكان التصوير الفوتوغرافي جزءا أساسيا من خطوات هذا الحصر، وواجهت أنا وزملائي بسببه العديد من المواقف والمضايقات. لن أنسى حارس أحد العقارات بحي الشاطبي والذي أبرزت له كل الأوراق الرسمية التي أحملها لأستأذنه في تصوير العقار وأخبرته أنه تكليف من المحافظة، فما كان منه إلا انطلق في وصلة من أحط ألفاظ السباب للمحافظ والمحافظة وكل من يعمل لحسابها قبل أن يطردني أنا وزميلي من العقار شر طردة! ولن أستطيع أن أحصي عدد النسوة اللاتي كن ما أن يرين الكاميرا مصوبة نحو بيوتهن القديمة حتى يتعالى صراخهن وعويلهن المتبوع دائما بتجمعات آنية لأعداد غفيرة من الجيران والمارة، وكأن تصوير الأبنية التي نراها ونعيش بينها كل يوم ينتهك حرمات لا يصح الاطلاع عليها.
اسأل أي مصور مهتم بالعمارة والمدن أو أي معماري مهتم بالتصوير وسيخبرك بمواقف مشابهة تعرض لها هو أو بعض زملاؤه أثناء عمله أو أثناء دراسته الجامعية عندما تطلب الأمر القيام بالتصوير في شارع ما سواء في أحياء المدينة الراقية أو الفقيرة. كثيرا ما حُطمت كاميرات وانهالت شتائم، بل واقتيد البعض إلى أقسام الشرطة، بل ومقرات أمن الدولة، في مواقف متشابهة. 
السؤال هنا، لماذا يخاف الناس من الكاميرا بهذا الشكل؟ من المتعارف عليه أن شوارع أي مدينة، وخاصة المدن التاريخية كالإسكندرية، هي فراغات عامة مفتوحة للجميع، لأبناء المدينة ولزائريها على حد سواء، يحق لهم التقاط الصور لها وتسجيل انطباعاتهم وما أثار إعجابهم منها، طالما لم يتعارض ذلك مع خصوصية الآخرين. واليوم يلتقط الهواة من سكان المدن أو السائحين بكاميراتهم وهواتفهم  ملايين الصور لشوارع المدن وميادينها، ويتبادلونها في لحظات عبر مواقع الإنترنت وتطبيقات الهواتف المختلفة. وما يعرف اليوم باسم «فوتوغرافيا الشارع» أو Street Photography  هو مجال قائم بذاته وفن متعارف عليه وله قواعده وأخلاقياته. وهناك من يمضي السنوات متجولا بين المدن والعواصم بعدساته في محاولات لتسجيل هذه الأمكنة بأبنيتها وناسها وما يدور بها من تفاصيل يومية.
المثير أنك إن قمت بمراجعة التراث الفوتوغرافي لمدينة الإسكندرية ستجد مئات الصور التي توثق عمارة المدينة وتسجل تفاصيل حياة سكانها منذ اختراع تقنية التصوير الفوتوغرافي نفسها وحتى منتصف القرن العشرين تقريبا. إن أول صورة فوتوغرافية التقطت في إفريقيا كانت في الإسكندرية. لقطة كانت لبوابة القصر المنيف الذي بناه الوالي محمد علي باشا ليكون سكنه الرئيسي بالإسكندرية، قصر رأس التين، وكانت بتقنية قديمة وشديدة التعقيد تسمى «داجِرُوتايب» Daguerreotype. ومنذ ذلك الحين نستطيع أن نتابع التطور العمراني للإسكندرية من خلال الصور المختلقة ونرى أيضا سكانها بشرائحهم الاجتماعية وأعراقهم المختلفة في لقطات كثيرة مبهرة زادت غزارتها مع تطور تقنيات التصوير الفوتوغرافي وانتشارها. لقد عرفت الإسكندرية استوديوهات التصوير الفوتوغرافي في وقت مبكر للغاية، وكان بعض المصورين الرواد يجوبون شوارعها بعربات كانت بمثابة استوديوهات أو معامل متنقلة.
قصر محمد علي باشا برأس التين: لقطة تعود إلى نوفمبر 1839، يُعتقد أنها أول صورة التقطت في افريقيا.
(Librairie Serge Plantureux)
ولا شك أن مباني الإسكندرية وميادينها كانت مثار فخر لسكانها وإعجاب زائريها. والدليل على ذلك هو كروت البوستال (البطاقات البريدية) العديدة التي تعود إلى هذه الفترة، والتي لم تكتفي بمعالم المدينة وأبنيتها الرئيسية مثل «البورصة الملكية» و«المتحف اليوناني الروماني» والمساجد والكنائس الهامة، بل حمل بعضها صورا لأبنية أقل شهرة مثل بعض المدارس والمستشفيات، ولا تتعجب ان وجدت نسخا مختلفة لكارت بوستال يحمل صورة أحد أقسام الشرطة، مثل «كراكول العطارين» مثلا، أوقسم شرطة « باب شرقي».
كارت بوستال: كراكول (كراكون) العطارين.
بعض هذه الكروت منتشر وأعيد طبعه أكثر من مرة وبعضها نادر. وإلى اليوم لا يزال بعض جامعي الصور والوثائق القديمة يقتفي أثر هذه الكروت في مزادات ومحال الأنتيكات داخل مصر وخارجها أو عبر المتاجر الاليكترونية، ومنهم من يقتني آلافا من هذه الكروت مصنفة بشكل دقيق للغاية طبقا لتاريخها أو طبقا لدار النشر التي قامت بطباعتها. تشكل هذه الكروت البريدية ذاكرة بصرية فريدة للمدينة وثروة فوتوغرافية مهولة تراكمت عبر العقود منذ ستينيات وسبعينيات القرن التاسع عشر وحتى خمسينيات القرن العشرين..
ثم توقفت الصور، فجأة!
فجاة، توقفت كروت البوستال الجديدة عن الصدور، وخاصمت العدسات مباني المدينة العريقة وشوارعها. تأمل مثلا ميدانا متسعا وشهيرا مثل ميدان «المنشية» (ميداني «محمد علي» و«الحدائق الفرنسية» سابقا). ستجد لهذا الميدان مئات ومئات من الصور وكروت البوستال من أزمنة مختلفة ومن أماكن وزوايا متعددة. صور للميدان نفسه وصور للحياة اليومية به ترى فيها سكان المدينة المتنوعين ووسائل مواصلاتهم وترى فيها كل الأبنية المبهرة المحيطة به. وبحلول الخمسينيات، لن تجد تقريبا إلا الصور التي توثق للخطب الهامة التي ألقاها الرئيس عبد الناصر من شرفة مبنى البورصة. وهي صور معدودة لم تهتم فيها الكاميرا إلا بتصوير «الزعيم» نفسه ولافتات تأييده وجموع جماهيره الغفيرة. وبعد بضعة سنوات توقفت الصور تماما. وبسبب هذا التوقف، قد تُعد صورة لميدان «المنشية» التقطت في سبعينيات القرن العشرين مثلا أشد ندرة بكثير من صورة لنفس الميدان بنفس الزاوية قبل مائة عام، رغم التطور الشاسع في تقنيات التصوير الفوتوغرافي بين التاريخين.
ميدان المنشية 1980: هذه الأرض الفضاء سيبنى عليها بعد سنوات قليلة مبنى «قصر القطن»، ذلك الصندوق الزجاجي العملاق شبه المهجور بجوار «نُصب الجندي المجهول» (من الموقع الشخصي للسيد مانفريد لِنتز)
ماذا حدث؟ هل اختفى المصورون؟ هل رحلوا عن مصر ضمن من رحلوا من الجاليات ذات الأصول الأجنبية التي رحلت عن الإسكندرية (اختيارا حينا أو قسرا أحيانا) بعد سياسات «ثورة يوليو» القومية؟ هل أصبحت تكاليف التصوير والتحميض والطباعة باهظة للغاية بعد أن تغيرت السياسات الاقتصادية في مصر في هذه الفترة؟ أم أن الحاجة إلى تصوير معالم المدينة وإلى الكروت البريدية قد انعدمت من الأصل منذ أن توقفت الحركة من وإلى الإسكندرية التي تقوقعت على نفسها بعد الثورة واكتفت بسكانها الأصليين والوافدين عليها من الريف المصري؟ أم أن هؤلاء السكان آثروا السلامة وتوقفوا عن تصوير مدينتهم بعد أن أرهبتهم لافتات "ممنوع الاقتراب" و"ممنوع التصوير" التي وضعتها حكومات ما بعد «النكسة» ليس على المناطق العسكرية فحسب، بل وعلى كل المعالم و"المنشآت الحيوية" بالمدينة؟
أم كل ما سبق؟
في كل الأحوال، ما حدث فعليا أن العدسة اختفت من شوارع المدينة. وبعد فترة أصبحت رؤية الكاميرا في الشارع أمرا مستغربا. وبعد فترة أخرى أصبحت أمرا مستهجنا. وتنامى لدى سكان المدينة مشاعر مركبة اختلط فيها الخوف بالكراهية. قد تختلف دوافع بعض من يخشى الكاميرا في الشوارع، ولكن الخوف العدائي واحد. وأصبح جزءا من احتراف التصوير في أحراش المدينة أن تتفادى بعض الأشخاص بعينهم وتتلافى الاحتكاك بهم، أو على الأقل أن تستعد لمواجهتهم.
(3)
المواطن «س» مواطن صالح غيور على وطنه. يراه مطمعا للكثيرين وهدفا لمؤامراتهم. قد يتفهم المواطن «س» فكرة أن يقوم أحد السياح الأجانب (أو ربما مواطن مصري آخر ولكن "مثقف" بعض الشيء) بتصوير أحد المزارات التاريخية المعروفة باعتباره نشاطا سياحيا لا بأس به. وربما يبتلع المواطن «س» فكرة أن يقوم هذا السائح (السائح فقط، المواطن لأ) بتصوير أحد الأسواق الشعبية مثلا والتي يتفنن فيها الباعة في جذب الزبائن بكل الطرق البصرية والسمعية الممكنة. سياحة أيضا وأمرنا لله! أما أن يقوم هذا أو ذاك بتصويب عدسته نحو مبانٍ أخرى أو أي أشياء "غير سياحية" فهذا أمر مريب لا يمكن السكوت عليه. لقد علمته الأيام (ووسائل الإعلام) أن "سُمعة البلد" فوق كل شيء. وفي الحقيقة، المدينة بمشاكلها وأزماتها أصبحت عورة لا يصح أن يطلع عليها أحد. والناس فيها ما يكفيها، خصوصا هذه الأيام بعد الثورة، ونحن، كما يعلم الجميع، في معركة فاصلة من معارك "الجيل الرابع من الحروب". الأمر اذن لم يعد يتحمل المزيد: ممنوع التصوير يا كابتن.
(4)
المواطن «ص» شخص هادئ الطباع يحرص دائما على تجنب المشاكل. يكره السياسة ولا يكترث إلا بما يتعلق بمستقبل الأولاد. يسكن «ص» والأسرة الكريمة في عمارة سكنية صغيرة بنيت في أوائل الثلاثينيات. شقته التي استأجرها والده في أواخر الخمسينيات تتكون من خمسة غرف واسعة يفتخر دائما بسقفها المرتفع ومناورها المتعددة. الشقة، التي ورثها بعد وفاة الوالد رحمة الله عليه والتي سيرثها ابنه أيضا بعد عمر طويل، إيجارها الشهري يبلغ سبعة جنيهات وسبعة وأربعين قرشا لا غير. مكتسبات ثورة يوليو. يعلم «ص» أن شقة مساحتها أصغر من نصف مساحة شقته في العمارة الجديدة المواجهة لعمارته بنفس الشارع الضيق لا يقل إيجارها الشهري (إيجار جديد) عن ألفين وربما أكثر. آدي الله وآدي حكمته. هل هو من دفع عبد الناصر لأن يقوم بتثبيت الإيجارات؟ يرفض «ص» تماما عروض وضغوط صاحب البيت الذي يحلم بالطبع أن يأتي اليوم ويترك له الشقة. أعلى ما في خيله يركبه. لكنه في حقيقة الأمر في غاية القلق. القوانين تتغير كل يوم وأصحاب البيوت يتفنون في أساليب إيذاء السكان وطرق هدم البيوت القديمة لبناء عمارات جديدة بدلا منها. ومكاسبهم خيالية. لن ينسى «ص» أبدا ذلك اليوم الذي صادف فيه شابا يقوم بتصوير البيت. لم يره الجيران أبدا بمثل هذا الغضب. لكنه معذور، هذا الشاب حتما يعمل لصالح صاحب البيت أو واحد من المقاولين الذين يعملون في المنطقة. خطة جديدة لن يسمح باكتمالها أبدا: انت بتصور ايه يا ابني انت؟!
(5)
أما السيد «أ» المدير بأحد فروع المحلات العريقة التي تم تأميمها في الستينيات، فهو يشبه  إلى حد كبير كل من الأستاذ «ب» ناظر المدرسة الشهيرة التي تأسست عام 1920، والدكتورة «ت» مديرة إحدى المستشفيات القديمة الرائعة التي تنتظر الترميم منذ سنوات بعيدة، وأيضا الأستاذ «ث» مدير الفرع المتهالك للبنك العريق. الأربعة موظفون أفنوا أعمارهم بين جدران هذه المباني، ولم يكن طريقهم لهذه المناصب مفروشا بالورود. أثناء النهار، يدور كل منهم في طرقات المبنى القديم ليوزع نظراته المتعالية المتجهمة على الجميع. وفي الليل، لكل منهم كابوس خاص به يظهر فيه وكيل الوزارة أو رئيس مجلس الإدارة في ليلة مظلمة ليكتشف خطأ ما لا يمكن تبريره أو إخفاوه، ليرى نفسه في النهاية مطرودا أو معاقبا. يرثي كل منهم حاله أن جاء نصيبه في هذا المبنى القديم بلا أي إمكانيات أو مخصصات مالية لبند الصيانة. أصبح هذا المبنى سفينة متهالكة يجب عليهم سد ثقوبها بأي وسيلة رخيصة حتى تمر الأيام ويحين وقت الترقية الجديدة في مكان أفضل (أحدث) أو يحين وقت التقاعد. كاميرا؟ هناك من يحاول أن يصور المبنى؟! صحافة؟ أحد شباب الفيسبوك؟ فضيحة؟ لا: ممنوع يا حضرت. بتصور ايه؟ يا أمن! هات الكاميرا دي. حد يبلغ البوليس.
(6)
«ج» جندي مجند شاءت الأقدار وشاء قادته أن يقف حراسة أمام الكنيسة التي عمرها من عمر جده الكبير الله يرحمه. أما «ح» فهو في حراسة المعبد اليهودي (استغفر الله العظيم) المغلق منذ سنوات عديدة. يحصي كل منهما الأيام التي تبقت لهم في هذه المهمة التي ما يعلم بها إلا ربنا. البلد تغلي فوق صفيح ساخن والعمليات الإرهابية هي عناوين جرائد كل يوم، والداخلية أغلقت الشارع الجانبي المؤدي للمعبد وتبني أسوارا أكبر أمام الكنيسة من الخرسانة بدلا من الأسوار الخشب الخائبة القديمة التي لن تحميه ولن تحمي هذه المباني القديمة التي يقف أمامها ليل نهار. يا رب اجعل العواقب سليمة. بصراحة الأمر لا يحتمل أيضا واحد أو واحدة يأتي بكاميرا بدعوى تصوير المبنى الجميل. عندك ألف مبنى جميل، رح صورهم: عندك! انت بتعمل ايه؟! أنا عندي أوامر بالضرب في المليان.
(7)
أما «خ» فهو أحد الباعة الذين يسمونهم "جائلين" في الصحافة. عندما زار المحافظ الجديد "المنطقة" الخاصة به خلف المحكمة القديمة لم يخف، بل رفع صوته مناديا ولم يتوقف إلا حين سُمح له بالحديث مع المحافظ ذات نفسه. وفي الدقائق القليلة التي سمحوا له بالحديث فيها ألهمه الله سبحانه وتعالى بأحسن الكلام. فأخبر المحافظ أنهم لا يسرقون ولا يتاجرون في الممنوع، وأنهم جميعا على باب الله ولا يأذون أحدا. وان كان الأمر متعلقا "بالشكل الجمالي" فلتبني المحافظة لهم أكشاكا جميلة. بعد بضعة أشهر جاء بعد هذا المحافظ الجديد محافظ أجدد. وترقب الجميع في "المنطقة" ماذا سيحدث هذه المرة. يذكر الجميع تفاصيل ما حدث في نفس الأسبوع عندما شاهد «خ» الشابين والكاميرا في يد أحدهما. راقبهما «خ» بهدوء لا ينبئ بأي ردة فعل، حتى جاءت اللحظة الحاسمة التي رفع فيها أحدهما الكاميرا والتقط صورة. تساءل «خ» في داخله: حكومة أم صحافة؟ من سيظهر في هذه الصورة؟ وماذا سيحدث له؟ وهل سننتظر حتى نعرف بعد فوات الأوان؟:  تعالالي هنا. هات البتاعة دي.. أهيه.. عشان تبقى تيجي تصور هنا تاني يا (...).
(8)
أما الحاج «ح» فهو رجل خَيّر أفضاله على الكثيرين، وبالأخص على مهندسي الحي. بنى الحاج «ح» ستة عمارات جديدة في وقت قياسي بفضل الله في هذا الحي المبارك بعد ثورة يناير. منهم اثنان فقط كان مكانهم فيلات قال له مهندسو الحي أن هدمهم محظور لأنهم مسجلون في «المجلد» (قائمة التراث). لكنهم وجدوا مخرجا من هذه المشكلة الحمد لله. ولأن الحاج «ح» لا يبالغ في التكسب كغيره أقسم ألا يزيد عدد الأدوار المخالفة في أي من عماراته عن خمسة أدوار فقط. فالطمع لا يفيد وأرواح الناس ليست لعبة. يجلس الحاج «ح» هذه الأيام في ركن هادئ في شارع مكتظ وحوله عدد من الصبيان والمساعدين. من هذه الزاوية يستطيع أن يتابع العمارة الجديدة أثناء مراحل تشطيبها الأخيرة، وفي نفس الوقت يستطيع أن يراقب بيت آخر قديم في الناحية الأخرى لم يبقى فيه من السكان سوى عائلة واحدة مازالت المفاوضات والمساومات قائمة معهم لإخراجهم منه قبل هدمه. مازال لديه بعض الوقت للتفاوض لأن البيت للأسف هو أيضا في «المجلد»، والجماعة في الحي لم ينتهوا بعد من التصرف. اليوم انقطع استمتاعه بجرعة "المعسل" الصباحية فجأة عندما أن رأى شابة تبدو بنت ناس تحمل كاميرا وتقف بالقرب منه لتصور العمارة الجديدة ثم تتطلع نحو البيت القديم. يبدوا أنه نهار أسود. لقد حذره الجماعة مهندسو الحي من مثل هؤلاء الشباب الذين يحومون حول المباني المخالفة والمباني الموجودة في «المجلد» وينشرون المخالفات والهدم على الإنترنت والناس كلها تعرف بالأمور. استعد الحاج «ح» لذك وجهز عددا من المساعدين المستعدين للفتك بأي شخص يقترب من أملاكه. لكنها فتاة هذه المرة وسيكون من العيب أن يقال أن الحاج تعارك مع بنت. لابد من حل آخر: هل تقوم «أم تامر» بالواجب وتفتعل معركة مع البنت وتجيبها من شعرها؟ أم يكتفي بالإشارة من بعيد للواد «تامر» نفسه ليتحرش بها وسط الشارع؟ لابد من قرار سريع: اندهلي الواد تامر بسرعة.

(9)
بعد عقود من تراكم الأخطاء وإساءة الإدارة أصبحت المدينة سوءة يخجل الناس منها. وأصبحت شوارعها بالإهمال والقمامة والفوضى ومخالفات البناء وهدم التاريخ مسارح متصلة لجرائم فردية وجمعية يومية يريد الجميع أن يتجاهلها لصعوبة مواجهتها وحلها. ولكن الكاميرا الملعونة قد تفضح كل ذلك. 


(10)
بعد نحو شهرين من الواقعة المذكورة في البداية مررت بنفس الشارع بحي «كامب شيزار» مرة أخرى وذكرى ما حدث معي لا تزال حاضرة في ذهني بقوة. اقتربت بهدوء باحثا عن المبنى المتهالك. لم أجده في مكانه؛ فقط قطعة أرض فارغة تتطاير منها الأتربة في صمت. لقد انتصر البلدوزر مرة أخرى. 

سقوط الجدران الأخيرة

 حينما حاولت أن أكتب تعريفا للدور الذي أنشأت من أجله هذه المدونة لأكتبه تحت عنوان "عن هذه المدونة" ، لم أجد سوى هذه الكلمات:

«جدران مدينة متعبة» هي شهادة على وقت عصيب تمر به الإسكندرية.
"المدينة العريقة تحصد اليوم ثمار عقود طالت من الفساد والجهل وسوء الإدارة وإساءة التخطيط. بقدر المستطاع، تحاول «جدران مدينة متعبة» أن تقرأ معك بتأنٍ ما يحدث اليوم لمدينتك التي يزيد عمرها عن ألفي وثلاثمائة عام، حتى تتخذ أنت القرار: هل ستدافع عنها وعن تاريخها ومستقبلها أم ستتركها لجرافات الجهل والجشع؟"

الآن، في اللحظات التي أكتب فيها هذه الكلمات، تقوم فيها هذه الجرافات بهدم آخر جدران أحد أهم المباني التاريخية في الإسكندرية.. فيلا أجيون.

اهتمت المدونة بقضية الفيلا وتاريخها ورصدت أكثر من مرة محاولات هدمها، وكذلك في مبادرة «انقذوا الإسكندرية» تابعنا محاولات التعدي، ونظمنا وقفة احتجاجية أمامها كانت هي أكبر وأهم وقفاتنا. ونبهنا مؤخرا للأحكام القضائية التي صدرت بخصوصها.
لكنها الآن تهدم. بالقانون.

منذ مارس 2012 وهذه المدونة تبحث عن الإجابة: من سينتصر.. نحن أم جرافات الجهل والجشع؟

الإجابة الآن واضحة. 

عن المدينة والذاكرة ومأزق التراث

في الصفحات الأولى من الجزء الأول من ثلاثية «القارة المائية» (2006) The Liquid Continent، والذي يصف فيه الكاتب نيكولاس وودزورث رحلته للإسكندرية كواحدة من ثلاثة مدن بحرمتوسطية كبرى، يستقل المؤلف القطار المتجه للمدينة، وتأتي جلسته إلى جوار طالب جامعي سكندري كان منشغلا بهاتفه المحمول. يتبادل الاثنان كلمات قليلة عن الإسكندرية. غير أن الشاب يخرج عن صمته فجأة عندما بدى على الكاتب الاهتمام الشديد بإحدى الفيلات القديمة المهمَلة تصادف أن يمر القطار إلى جوارها في نهاية رحلته:

"إنها لا شيء" قالها وهو يشيح بيده في رفض. "هناك مئات من هذه المباني في الإسكندرية. كان الأجانب الأغنياء يعيشون فيها. إيطاليون، يهود، يونانيون، شوام، فرنسيون.. لقد رحلوا جميعا. والآن تختفي هذه البيوت أيضا. سرعان ما سيهدم هذا البيت أيضا. ما أهميته؟ انه قديم."

تعليق الشاب، مثل الفيلا نفسها، أثار الدهشة والتساؤل لدى الكاتب، فكتب يقول أن مثل هذا البناء التاريخي لو وجد في روما أو نابولي لكان له شأن آخر، لكنه في الإسكندرية أصبح مثالا على الإهمال. تعليق الشاب قصير ومقتضب، لكنه بلا شك لسان حال الكثير من سكان الإسكندرية على اختلاف أعمارهم وتخصصاتهم. بسبب عملي في تدريس العمارة واهتمامي بتاريخ المدينة العمراني سمعت مثل هذه الآراء كثيرا، ليس فقط من الطلبة بل من زملاء ومن مهندسين يمارسون المهنة منذ فترات طويلة، منهم من قام ببناء عمارات سكنية فوق حطام مثل هذه الفيلا منذ بداية السبعينيات. واليوم، وبعد عقود من هذا "الإحلال العمراني" سيطرت الأبراج الخرسانية تماما على خط سماء المدينة. أحياء كاملة اختفت ملامحها العمرانية بشكل كامل عبر العقود الأربعة أو الخمسة الأخيرة. تغير عمراني سريع وكاسح لن يدرك فداحته إلا من يقوم بمقارنة الصور الفوتوغرافية القديمة لشوارع المدينة وميادينها بحالتها اليوم. تضاعفت قيمة هذه اللقطات كثيرا مع تغير المدينة. بعض الصور تفشل كل الجهود المبذولة الاستنتاج مكانها الحالي، رغم أنها تحمل تاريخ يعود الثلاثينيات مثلا. 

حي "سموحة سيتي" في الثلاثينيات. ماذا تبقى من هذه الضاحية الحدائقية الفريدة؟ لا شئ!
الصورة عن موقع
aaha.ch

لقد كان أمرا ملفتا أن يثير الكاتب أسامة أنور عكاشة هذه القضية في توقيت مبكر في «الراية البيضا» المسلسل التليقزيوني الذي تم انتاجه عام 1988. في المشهد الأخير من هذا المسلسل يجلس أبطاله أمام البلدوزر الذي يتحرك بثقة ليهدم فيلا من روائع تراث المدينة المعماري بعد أن فشلت كل جهودهم الأخرى في الحفاظ عليها، وتقف الكاميرا في اللحظة التي تتشابك فيها الأيدي أمام الجرافة المتقدمة. لكن يبدو أن الرسالة -رغم صياغتها المبهرة ونهايتها البديعة- لم تصل إلى أهل الإسكندرية، واستمرت المدينة في التغير والتدهور، بل إن الفيلا التي شهدت أحداث المسلسل وكانت رمزا دراميا لتراث المدينة الفريد تم هدمها هي نفسها لاحقا. وهي، بالمناسبة، لم تكن -رغم طرازها الأوروبي الانتقائي- بيتا لأحد الأجانب أو "الخواجات" الذين شكلوا الموزاييك العرقي والثقافي الفريد لسكان الإسكندرية قبل 1952، وإنما كانت سكنا لعائلة عثمان باشا محرم شيخ المهندسين المصريين ونقيبهم ووزير الأشغال العامة في 14 وزارة مختلفة في ظل حكم فؤاد وفاروق.

فيلتا عثمان محرم باشا، مسرح أحداث مسلسل الراية البيضا، قبل هدمهما. الصورة تعود إلى السبعينيات 
الصورة من الموقع الشخصي للسيد بروس برامسون 

إن الإنسان بطبيعته يرتبط بالأمكنة التي نشأ فيها أو تلك التي ارتبط بها تاريخ أسرته أو احدى الجماعات التي ينتمي إليها اجتماعيا أو ثقافيا أو دينيا. والمجتمعات المختلفة دائما ما تتخيل أن هُويتها مرتبطة بأماكن بعينها تصبح "أمكنة للذاكرة" وتحمل بالتالي قيما ومعانٍ أعمق وأهم من غيرها. ولايخلو سياق خاص بالهوية الوطنية من حديث عن أماكن تحمل رمزية ينبغي على الجميع أن يحافظ عليها. فالسؤال هنا إذن لماذا ترك سكان الاسكندرية مدينتهم تتحول بهذا الشكل؟ ولماذا أصبحت المباني التاريخية إرثا يخص غيرهم من جنسيات أصبحت في نظرهم غريبة على المدينة؟ ومتى أصبح "القديم" غير ذي أهمية؟ لا شك أن مأزق التراث في الإسكندرية مرتبط بظروف المدينة الجغرافية والتخطيطية والاقتصادية، لكنني هنا سأقوم بالتركيز على التغيرات السياسية والديموغرافية الجسيمة التي طرأت على الإسكندرية (وعلى مصر بشكل عام) في أعقاب يوليو 1952 باعتبارها أحد الأسباب المباشرة وراء هذه التحولات. 


لقد كان العمران ولا يزال وسيلة هامة تم استخدامها في دعم الأنظمة السياسية بأساليب مختلفة عبر التاريخ. فمن يتحكم في شوارع المدينة وميادينها يستطيع أن يؤثر بالتالي بقوة في وجدان أهلها وذاكرتهم الجمعية بالشكل الذي يتوافق مع مصلحته. من يتحكم في عمران المدينة يتحكم بالتالي في قرار إقامة (أو إزالة) النصب التذكارية بما يتفق مع روايته المفضلة للتاريخ، ويملك آلية تغيير أسماء الشوارع والحارات والمحطات ومباني الخدمات العامة بأسماء الأشخاص والأحداث التي يريدها أن تبقى في الأذهان لكي يبني عليها شرعيته، ويملك القرار في اختيار ما هو جدير بالترميم والحفاظ من عمارة المدينة وما لا يستحق سوى الإهمال والتخريب، ويتحكم أيضا فيما يصح أولا يصح إقامته من طقوس أو احتفالات جمعية يمارسها سكان المدينة في حيزاتها العمرانية العامة. هذه السياسات التي تجمع ما بين التحكم فيما هو مادي ملموس وما هو معنوي غير ملموس تعمل في مجملها على تشكيل جوانب لا يمكن الاستهانة بها من المجال العام الذي يتفاعل من خلاله سكان المدينة، وبالتالي على تشكيل وجدانهم وهويتهم.


إذا تتبعنا التاريخ العمراني لمدينة الإسكندرية الحديثة منذ أن ازدهرت على يد الوالي محمد علي باشا وحتى اليوم، نستطيع أن نقسم هذا النوع من سياسات التعامل مع العمران الواعية لتفاعل "العمران-الذاكرة" إلى ثلاثة فترات تتزامن في الحقيقة مع التغيرات في الساحة السياسية المصرية. الحقبة الأولى هي حقبة الأسرة العلوية خاصة منذ عهد الخديو اسماعيل الذي كان أول من أقام تماثيل في الميادين العامة بالقاهرة والإسكندرية لترسخ تاريخ الأسرة الحاكمة في الحيزات العامة، فكان تمثال جده محمد علي باشا الذي أزيح عنه الستار بميدان المنشية عام 1873 هو الأول من نوعه الذي يقام في مدينة تنتمي إلى العالم الإسلامي.


باستطاعتنا -إن أردنا- أن نتابع ونحلل طبيعة الصراعات السياسية المعقدة بين سلطة القصر وسلطة الاستعمار ونفوذ الجاليات الأجنبية بالإسكندرية وأيضا التيارات والأحزاب السياسية الفاعلة في ذلك الوقت (الذي ترسخت فيه الأفكار النهضوية والقومية المصرية) من خلال رصد وتحليل التماثيل والأضرحة وأسماء الشوارع والميادين في الإسكندرية.

الوالي محمد علي ممتطيا جواده في قلب ميدان الإسكندرية الأكبر، ميدان المنشية. تمثال من البرونز للمثال الفرنسي جاكومار.
الصورة من موقع Ancient Egypt and Archaeology Web Site

 أما الحقبة الثانية، وهي الحقبة الناصرية، فقد أولت اهتماما بالغا بهذا النوع من إدارة العمران، فحرصت على استبدال كل ما يمكن أن يذكّر أو يرمز إلى فترة حكم الأسرة العلوية بالمدينة برموز "ثورة يوليو" وما يدعم شرعيتها من أسماء وأحداث تاريخية. فأصبح النصب التذكاري «للخديو اسماعيل» هو نصب «الجندي المجهول» و«فكتوريا كوليدج» أصبحت «كلية النصر»، وميدان «محمد علي» أصبح ميدان «التحرير»، وشارع «توفيق» صار شارع «عرابي»، وهكذا. وصاغ نظام ناصر نسخة معدلة من التاريخ كانت المدينة نفسها بشوارعها وعمارتها وسيطا في ترسيخها لدى العامة ضمن مشروع محكم استهدف ذاكرة المصريين بذاكرة جديدة (أو "ذاكرة مضادة" counter-memory إذا استخدمنا مصطلحا للفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو).

تمثال الخديو اسماعيل في منتصف الستينيات مطموسا ومغلفا بالورق والقماش. لاحقا سينزع من فوق قاعدته وسيلقى في أحد المخازن، ثم ستطرح فكرة تحويله إلى عملات معدنية!
الصورة من مجلة «
أحوال مصرية»

كما تسببت سياسات عبد الناصر الاشتراكية ذات المفهوم الضيق لفكرة الوطنية بشكل مباشر وغير مباشر في رحيل جماعي للجاليات ذات الأصول غير المصرية عن الإسكندرية، وفي المقابل توافدت على المدينة أعداد هائلة من سكان أقاليم مصر الأخرى، ومن ثم، ومع هذه التغيرات الديموغرافية المفاجئة، لم تتوفر الظروف المناسبة لنشأة تلك الأواصر التي تربط بين قطاعات كبيرة من سكان المدينة وبين شوارعها وعمارتها والتي لا تتحقق إلا عبر فترات زمنية طويلة من التفاعل المتبادل. 


أما الحقبة الثالثة التي امتدت منذ بداية السبعينيات وحتى بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، فهي حقبة "الانفتاح" وشرعية "أكتوبر"، والتي اهتمت فيها السلطة لفترة وجيزة في السنوات الأولى لحكم السادات بفكرة الذاكرة والعمران أقامت أثنائها نصبا تذكاريا لحرب أكتوبر بميدان «الجمهورية» (محطة مصر سابقا)، وأزالت أو تعمدت اهمال بعض رموز الناصرية (مثل مبنى الاتحاد الاشتراكي الشهير، أيضا بميدان المنشية) في سبيل تحقيق "ذاكرة مضادة" جديدة، قبل أن تفقد اهتمامها تماما بالفكرة، تاركة المدينة تتشكل بواسطة رؤوس الأموال الجديدة الوافدة على المدينة دون تدخل يذكر من الدولة التي زهدت أيضا في أفكار الحفاظ العمراني والتراث. ليبدأ وجه المدينة في التحول السريع الذي لم يتوقف لحظة حتى الآن. 


لقد تركت هذه السياسات المتناقضة أثرها البالغ على علاقة سكان الإسكندرية بمدينهم وشوارعها وعمارتها الفريدة. وزادت حدة المشكلات الاقتصادية وتعقيدات البحث عن الرزق من انصرافهم عن الاهتمام بشأن المدينة وتراثها. والسؤال الآن إذن كيف يمكن من الأصل أن يتم الحفاظ على أبنية تاريخية في مجتمع أغلبه قد لا يعتبرها تراثا يستحق الحفاظ بعد كل هذه التحولات السياسية والاجتماعية؟ 


لقد حققت بعض الجهود الداعية للحفاظ على تراث المدينة بعض المكاسب في العقد الأخير من القرن العشرين عندما حاول عدد قليل للغاية من المتخصصين أن يقفوا في وجه التحول العمراني، وعلى رأسهم جاء د. محمد عوض ليضع لأول مرة قائمة للتراث العمراني بالإسكندرية أتمها عام 1999، ونجح بعدها في اقناع محافظ المدينة بتطبيقها كقائمة للمباني المحظور هدمها في المدينة مستفيدا من قانون الحاكم العسكري في ذلك الوقت الذي حظر هدم "الفيلات التاريخية". ثم أقرت الحكومة قانونا "للحفاظ على التراث المعماري" عام 2006 به ما يكفي من عقوبات (وثغرات) وتحددت بعده قائمة جديدة لتراث يحظر هدمها. فهل نجح كل ذلك في الحفاظ على "تراث" المدينة؟ لا شك أن هذه الإجراءات قد أبطأت بعض الشيء من وتيرة الهدم والتحول، لكنها لم توقفه بأي حال من الأحوال. لقد أثبتت التجربة أن القوانين مهما بلغت صرامتها لن تقنع أحدا بأن ما يمتلكه من مبان تاريخية هو تراث قيّم عليه أن يحافظ عليه ليبقى لأولاده وأحفاده. لقد هدمت مبان رائعة وهامة كانت مدرجة في القائمة الأولى وفي الثانية ولم يترك المُلاك والمستثمرون وسيلة أو حيلة أو ثغرة قانونية أو حجة دستورية أو ظرفا سياسيا استثنائيا إلا واستغلوه في هدم المزيد والمزيد من هذه المباني.


الأمر إذن مرهون بأن يشعر سكان المدينة نفسهم مرة أخرى بقيمة هذا التراث الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وبالتالي بتبعات خسارته. ومطلوب منا جميعا كمهتمين أو متخصصين أن نعمل على سد الفجوة بين سكان المدينة وتراثهم المفترض بكل السبل الممكنة. وعلينا أن نذكر أجهزة الدولة  بفداحة ماتسببت فيه سياسات الحقب الماضية وبأنها الآن معنية - رغم ترهلها ومشكلاتها العاجلة والمزمنة - ببناء ودعم هذا الوعي إذا أرادت أن تحافظ على ما تبقى من المدن المصرية.