مخالفات البناء

عن فن المجال العام وفن المصالح الخاصة

إذن نحن في عهد جديد. وبعد التغيير الوزاري الذي أُجري منذ أيام، يقترب موعد حركة السادة المحافظين. أصحاب المعالي يترقبون ويتحركون. ولا بأس من تحركات أخيرة سريعة تخطف الأنظار.

"مشروع تطوير" جديد في الإسكندرية انتهى في أيام معدودات. مجموعة من المنحوتات والنوافير أقيمت على ثلاثة جزر متفرقة في نهر الشارع في قلب «محطة الرمل»، على مرمى البصر من تمثال سعد زغلول الشهير. اقترِب، وستخبرك اللوحة التذكارية بكل شيء: 
عدسة: عمرو علي
لماذا، حقا، تقام مثل هذه المشروعات؟ بداية، إن هذه النوعية من المشروعات يعود الفضل في استحداثها إلى المحافظ السابق/ اللواء (أيضا) عبد السلام المحجوب، وهي تتضمن أن تقيم المحافظة مشروعات شكلية في مناطق بارزة من المدينة لا تمثل حلولا لمشكلات الناس المزمنة بأي حال من الأحوال، مثل إقامة بعض المنحوتات أو النوافير أو إعادة طلاء بعض الأبنية أو مظلات محطات الترام بدون أن تدفع المحافظة نفسها مليما، بينما تتحمل تكاليف التنفيذ إحدى الشركات الخاصة بالمدينة، وبالأخص شركات المقاولات. حسنا، هل ستفعل هذه الشركات ذلك من منطلق الوطنية مثلا أوتقديم الخدمات للمجتمع وبلا مقابل؟ طبعا لا. بعض الشركات اكتفت بفرصة شِبه مجانية للدعاية، بأن تضع اسمها التجاري بشكل فج وبمواد بناء دائمة على الجداريات والنوافير والتماثيل. إنها دعاية أبدية لا تُزال وبمقابل مادي لا يذكر إن قورن بأسعار لافتات الدعاية المتغيرة. ثم أتى المقابل الأكبر أيضا في عهد اللواء المحجوب بموافقته الغريبة على إضافة أدوار استثنائية لما تقوم هذه الشركات الخاصة ببنائه من عمارات سكنية. وعندئذ بدأ السباق المحموم بين هذه الشركات. انهمك الجميع في أعمال كان بعضها في البداية يبدو معقولا، قبل أن يتحول الأمر إلى "سبوبة" هستيرية رخيصة.. أي شيء ملون في أي زاوية من زوايا المدينة، أو أي مظلة لمحطة ترام. أي شيء، وبأقصى سرعة.

وابتكر شركاء هذه "السبوبة" مصطلحا جديدا لن تجده في أدبيات أو قواميس العمارة أو التصميم العمراني في أي مكان في العالم، وهو مصطلح "تجميل المدينة"، بل وأُنشئ في عهد المحجوب جهاز خاص لأعمال "التجميل". المتخصصون في الشرق والغرب دائما يتحدثون ويبحثون في مجالات "الارتقاء العمراني" أو "إعادة الاستخدام" أو "التنمية المستدامة" أو"رفع كفاءة الخدمات والبِنَى التحتية" وغيرها الكثير، بينما نحن نرفع شعار "التجميل". المصطلح نفسه يحمل ما يكفي من دلالات، فأنت لا تعالج أمراضا استشرت في جسد المدينة، بل تنفق فقط على إضافة بعض المساحيق التجميلية الرخيصة لتختبئ وراءها الأعراض، ويبدو كل شئ على ما يرام، حتى تمر فترة المحافظ على خير.

أنفقت بالفعل أموال ضخمة على هذا النوع من المشروعات في فترة قصيرة جدا. ولما لا والمعادلة بسيطة: ضع أي عمل "تجميلي" في أحد شوارع المدينة، استعن في ذلك بالأرخص دائما، سواء من البشر أو الحجر، بحيث لا تتجاوز تكلفته عشرات الآلاف من الجنيهات، واحصل في المقابل على استثناء ببناء أدوار مخالفة للقانون تجني من ورائها الملايين. ولذلك لابد من التأكيد على أن الفضل الأول في فكرة بناء أدوار إضافية بالمخالفة الصريحة للقانون يرجع بلا شك إلى عهد السيد اللواء المحافظ عبد السلام المحجوب الذي خرق القانون بنفسه وبمنتهي البساطة وسط تصفيق الجميع "لإنجازاته"، وفتح بذلك أبواب الجحيم العمراني الذي يوشك الآن أن يقضي تماما على جودة الحياة في المدينة.

جاء المشروع المسمى بـ«مشروع تطوير ميادين محطة الرمل» كنموذج مثالي على هذه النوعية من المشاريع الشكلية. تصميم سيء لا ينتمي لأفكار فنون المجال العام (أو الفن العام public art) بمفاهيمه المعاصرة بأي صلة. ففن المجال العام فن هدفه الناس، يداعب خيالهم وذاكرتهم ويخاطب قيمهم بكل الأشكال والوسائط الممكنة، يهتم من يقيمونه بالمتلقي أولا، كيف يقرأ العمل الفني وكيف يتفاعل معه بشكل إيجابي. أما العمل الذي نتحدث عنه هنا فليس موجه للناس بأي حال من الأحوال. أي متلقي وأي فن؟ إنه عمل دعائي مُتنكِر، يحقق من خلاله أصحاب الشأن مصالح شخصية ضيقة، لا حساب فيها لرجل الشارع واحتياجاته وتطلعاته أو لجودة العمل الفني. 

لم يأت «مشروع تطوير ميادين محطة الرمل» بأي جديد، بل تكرار ممجوج لفكرة الاحتفاء ببعض الشخصيات السكندرية التاريخة. وضعت لهذه الشخصيات تماثيل وجهية ونصفية ذات لون ذهبي فج بلا طراز أو مدرسة نحتية تجمعها، وبلا أي منطق أو ترتيب مفهوم، بين عدد من الأعمدة الكلاسيكية القزمية في تصميم مثير للشفقة لا يحمل أي خيال أو ابتكار. التماثيل صنعت في عجالة وبدا بعضها كتمارين أسبوعية لطلبة السنوات الأولى بقسم النحت بكلية الفنون الجميلة، وبشكل لا يليق لا بمقام الشخصيات التاريخية المُحتفَى بها ولا بقيمة منطقة محطة الرمل التي تحمل بين جنباتها طبقات عدة من تاريخ الإسكندرية. هل تصادف أن رأى من أقاموا هذه المنحوتات أعمالا خالدة أخرى بالإسكندرية قام بنحتها عمالقة مثل الفرنسي چاكومار (تمثال محمد علي باشا، 1873) أو الإيطالي بييترو كانونيكا (تمثال اسماعيل باشا، 1936) أو المصريان محمود مختار (تمثال سعد زغلول، 1932) وفتحي محمود (تمثال أسطورة أوروبا، 1968)؟ وبعيدا عن الأفكار المستهلكة والخيال الفقير، جاء تنفيذ المشروع أيضا بنفس درجة الركاكة سواء من حيث اختيار مواد البناء والتشطيب أو حتى نوعية النجيل الأخضر المستخدم.
عدسة: عمرو علي
الآن دعنا نتساءل عن المقابل: لماذ تقوم شركة «ستانلي» بإقامة هذا "المشروع"؟ هل تذكرون أولا من هي شركة «ستانلي»؟ انها الشركة التي هدمت «سينما ريالتو» بدون ترخيص في أبريل 2013، تحت دعوى "إعادة التطوير". هل تمت محاسبتهم وفق القانون؟ لا. هل تم وضعهم على قوائم سوداء باعتبارهم أحد من أساؤوا للمدينة؟ طبعا لا. في المقابل، هل رأيت الكيفية التي وضع عليها اسم الشركة محفورا في الرخام، باللونين الأسود والأحمر في أجزاء "المشروع" المختلفة؟ كم شخص سيمر ويقرأ اسم الشركة بارزا زاعقا بهذا الشكل كل يوم؟ كم ثمن هذه الدعاية بمعايير سوق الإعلان اليوم؟ والأهم، من سمح للقائمين على أمر المدينة بأن يهبوا جزءا أصيلا منها، هو في الحقيقة مكانا ومجالا عاما يملكه سكانها جميعا، لشركة مقاولات لها تاريخ من المخالفات، لتضع عليه رايتها بهذا الشكل الفج؟
  
عدسة: عمرو علي
ونريد أخيرا أن نعرف أيضا، هل ستنال الشركة أي استثناءات أخرى من قانون البناء المسكين في مقابل هذا العمل الرديء؟ ولماذا لا يعلن السيد محافظ الإسكندرية عن تفاصيل الاتفاق/الصفقة التي تم عقدها مع الشركة بشفافية حتى نعرف جميعا الثمن الحقيقي لهذه النوعية من المشروعات؟ هذا حق كل مواطن يعيش على أرض هذا الوطن. لا يصح أبدا أن نعرف الإجابة على هذا السؤال بعد أن يصبح المقابل غير المعلن أمرا واقعا: بناء آخر ومخالفة أخرى هي جرح جديد في جسد هذه المدينة المتعَبة.


كل الشكر لـعمرو علي لسماحه باستخدام لقطاته.

عن أكشاك ميدان المنشية: خطاب مفتوح للسيد المحافظ

السيد المحترم/ محافظ الإسكندرية،
تحية طيبة، وبعد،،

لقد تواترت أخبار من مصادر متعددة في الفترة الأخيرة عن اعتزام محافظة الإسكندرية تحويل أجزاء من ميدان التحرير (ميدان المنشية) وميدان سانت كاترين (المنشية الصغيرة) وغيرهما من المناطق العامة المفتوحة بحي المنشية بوسط المدينة إلى أكشاك كمحاولة لاستيعاب جزء من أعداد الباعة الجائلين الذين يشغلون الآن هذه المناطق العامة بكثافة عالية وبدون وجه حق.

وإزاء هذا التوجه الخطير، نطالب سيادتكم باتخاذ اللازم بشأن وقف هذا القرار، وذلك لأسباب عديدة يمكن أن ذِكر أهمها هنا:

أولاً: من الناحية القانونية، ان هذا القرار يتعارض مع ما ورد بالباب الثانى بالقانون رقم 119 لسنة 2008 ولائحته التنفيذية فيما يخص استغلال المسطحات المفتوحة والمناطق التراثية والمناطق ذات القيمة المتميزة، لما يتضمنه انشاء هذه الأكشاك من تشويه للطابع العمراني لهذه المنطقة التاريخية

ثانيا: من الناحية التخطيطية، فإن هذا القرار من شأنه اهدار أجزاء من المناطق العامة المفتوحة بمركز مدينة الإسكندرية، وهي بالفعل شحيحة جدا كما تعلمون، ولا تتناسب اطلاقا مع الحقوق المتعارف عليها دوليا لسكان المدن في وجود أماكن عامة وحدائق ومتنزهات يحق لهم الخروج إليها واستخدامها بحرية ومساواة. نحن في حاجة إلى العمل على زيادة هذه المساحات المفتوحة وليس الاقتطاع منها بأي حال من الأحوال.
ومن ناحية أخرى، فإن زيادة الاستخدامات التجارية تزيد من مشكلة المرور بمنطقة مكتظة تعلمون حجم ما تعانيه من احتقان مروري نتيجة تعدد وتضارب استخداماتها وموقعها المركزي.

ثالثا: فيما يتعلق بقيمة الميدان ورمزيته، فلابد من التأكيد على أن ميدان المنشية ومحيطه العمراني يمثلان جزءا بالغ الأهمية من التاريخ الحديث لمدينتنا ولوطننا بما شهده من أحداث وطنية بارزة وبما يحيط به من مبانٍ تاريخية هامة. وهو بذلك يعتبر عنصرا هاما في وجدان وذاكرة المصريين جميعا، يليق بنا أن نرعاه ونبرزه للأجيال الجديدة لا أن نهدره وننقص من شأنه بإنشاء مثل هذه الأكشاك. 
الملك فاروق في 4 ديسمبر 1983: افتتاح النصب التذكاري للخديو اسماعيل بالميدان (الجندي المجهول الآن)
الرئيس جمال عبد الناصر في 26 يوليو 1956: خطاب تأميم قناة السويس 

رابعا: لقد قامت محافظة الإسكندرية بالفعل بتظيم مسابقة معمارية في عام 2012 لإعادة تخطيط وتصميم ميدان المنشية (ميدان التحرير وميدان عرابي) شارك فيها عدد كبير من المكاتب الاستشارية المصرية وقام بتحكيمها أساتذة أجلاء وخبراء وممثلون للمحافظة ولنقابة المهندسين، وقد أعلنت نتائج هذه المسابقة بشكل رسمي وفاز أحد المكاتب الاستشارية البارزة بالجائزة الأولى عن المخطط  الذي تقدم به والذي يوفر للميدان ومحيطه العمراني ما يليق به من استخدامات ومبان جديدة. إن هذا المخطط هو الأجدر بالتنفيذ وذلك لما قدمه من دراسات وحلول عمرانية جيدة جدا.
المشروع الفائز بالجائزة الأولى في مسابقة تطوير ميدان المنشية (جميع الحقوق محفوظة لمكتب Pacer Consultants)
خامسا: لو أننا فكرنا بشكل واقعي، فإن إقامة أكشاك للباعة الجائلين لن يقدم حلا كاملا ونهائيا لهذه المشكلة، فالأكشاك المزمع إقامتها لن تستوعب كل أعداد هؤلاء الباعة، وعند توفير أكشاك للموجودين الآن، سرعان ما سيحل آخرون محلهم، وستستمر المشكلة طالما استمرت نفس الظروف الاقتصادية والأمنية التي أدت إلى تفاقمها في المقام الأول. 

وأخيرا، يأتي السؤال المهم: لصالح من تدار المدينة؟ لصالح أفراد أم لصالح الجميع؟ إن أية قرارات تمس قطاعات كبيرة من سكان الإسكندرية بهذا الشكل لابد لها أن تراعي المصلحة العامة لكافة الفئات والأعمار والشرائح الاجتماعية، وليس فئة واحدة - مهما علا ضجيجها - تتسبب في مشكلات بوجودها في الشوارع والميادين بشكل غير قانوني. 

الباعة الجائلون هم جزء من سكان المدينة يستحق منا كل الاحترام والاهتمام والرعاية ولكن لن يتم ذلك إلا عن طريق حلول جادة وجذرية تدمجهم في منظومة اقتصادية حقيقية من شأنها أن ترتقي بهم وبمدينتهم، وليس عن طريق مُسكنات وحلول قصيرة النظر ستبقي على فقرهم وتهميشهم ولن تؤدي في النهاية إلا إلى تخريب البقية الباقية من عمارة وعمران المدينة. 

أما ميدان المنشية فلم ولن يكون سوقا للباعة الجائلين، وسيظل الميدان الأهم والأكبر والأقدم بالإسكندرية مهما بلغت درجة تدهوره وازدحامه في الوقت الحالي، وهو حيز عمراني عام مفتوح وملك لكل فرد من سكان هذه المدينة على حد سواء. فإن كان من الصعب أن تقوموا بحمايته وإعادة الحيوية إليه، فعلى الأقل لا تزيدوا من تفاقم مشكلاته وتشويهه.

وتفضلوابقبول فائق الاحترام،،

مفردات من قاموس تدمير المدينة (2):

الكاحول:

الكاحول (أوالكَحول، الجمع: كواحيل!) هو مصطلح سكندري يشير إلى الشخص الذي يوافق على استخدام اسمه في المستندات والأوراق الرسمية مثل عقود الملكية وشهادات الصلاحية وطلبات التراخيص لأعمال البناء المختلفة، كواجهة زائفة يتستر خلفها شخص أو أشخاص آخرون يقومون بمخالفات هدم و/أو بناء، وذلك مقابل مبلغ من المال. من ناحيته يوقع الكاحول على عقود أخرى صورية أو عرفية تضمن للمالك الحقيقي الاحتفاظ بممتلكاته في آخر الأمر (يطلق عليها "ورقة الضد"). بعد اكتشاف المخالفات (ان تم كشفها) قد يحاكم الكاحول ويسجن أو قد يقضي عمره هاربا من السلطات أو قد يمر كل شيء في سلام بعد تقديم الرشوة المناسبة للجهات المختصة، في الوقت الذي يستمر فيه عرض وحدات العقارات المخالفة للبيع بشكل شبه طبيعي ليجني المخالفون الفعليون أرباحا طائلة بعيدا عن طائلة القانون. 

ظاهرة الكاحول لا تقتصر على البناء فقط بل هي حيلة موجودة في كل مجال يمكن أن تدر فيه المخالفات أرباحا كبيرة، مثل قطاع التموين أو الوقود أو غيرهما. وهي تكشف عن حجم الظلم الاجتماعي والانسحاق الإنساني الذي يدفع البعض إلى اعلان مسئوليتهم وتقبل إدانتهم عن جرائم ستصل بهم إلى السجن مقابل المال. غير أن هذا الاستعداد لتقبل الإدانة هنا يدل أيضا على نظرة المجتمع بشكل عام لمفهوم المخالفات البنائية تحديدا، فهو يعتبرها نوعا من التحدي لقوانين واشتراطات أغلبها - في رأيه - متعسف والخروج عليها لن يلحق الأذي بالشرف مثل غيرها من الجرائم. هذه النظرة المجتمعية المتسامحة مع المخالفات البنائية أدت إلى استخفاف السلطات التنفيذية بالمشكلة وإلى تراخيها في تنفيذ الأحكام والقرارات المتعلقة بها، مما أسفر في آخر الأمر عن تفاقم أزمة المخالفات بشكل ربما أصبح مستعصيا على الحل.

الكل يعرف بالطبع مَن هو مالك العقار ومن هو الكاحول، فلماذا إذن تستمر هذه المسرحية؟ ستستمر طالما استمر المناخ الذي تنتصر فيه الحيل القانونية والفساد الإداري على القانون والعدالة.

بإسلوبه الساخر، كتب الراحل جلال عامر في إحدى مقالاته عن الكاحول في الحياة والسياسة: 
 ... فكرتنى بالحاج «سعيد» الله يرحمه، خال «التيحى» من أم تانية، كان طول النهار قاعد على ناصية الشارع يسلم على المارة (السلامو عليكو عليكم السلام.. السلامو عليكو عليكم السلام) حتى رشحناه لجائزة «نوبل» فى السلام، وكان كلما حضر الضابط وسأل (عربية مين اللى واقفه فى الممنوع؟) يرد الحاج سعيد (عربيتى)، (شقة مين المخالفة؟) (شقتى)، (الممنوعات دى بتاعة مين؟) (بتاعتى) فيسأله الضابط (هيه كل حاجة هنا بتاعتك؟)، فيرد الحاج سعيد (أصل أنا يا باشا «كاحول» الحارة)، فيهنئه الضابط ويسلم عليه ويقول له (أنت من «الكواحيل» يا سعيد).
عمارة بارتفاع 50 متر على شارع عرضه 6 أمتار - سابا باشا

مفردات من قاموس تدمير المدينة (1):

تأشيرة السيد المحافظ: 

هي توقيع صغير الحجم، كبير التأثير (والثمن؟!)، بيد السيد المحافظ، رأس السلطة التنفيذية في المدينة وحاكمها المحلي، يقوم بموجبه باستثناء منشآت وعقارات بعينها من الالتزام بالقانون (الذي أقسم على الحفاظ عليه) ومن التقيد باشتراطات البناء المقررة في محافظته (والتي وضعتها وأقرتها الأجهزة التخطيطية بمحافظته، بموافقته)، خاصة فيما يتعلق بالارتفاع الأقصى ونسبة البناء المسموح بهما.

يعلق الكاتب يوسف زيدان على أحد أهم أمثلة هذه الظاهرة الفريدة في مقال له نشر في جريدة «المصري اليوم» (١٨/ ٧/ ٢٠١٢)، جاء فيه:
ثم كانت الفاجعة الكبرى فى هذا السياق، عندما استطاعت إحدى شركات المقاولات الكبرى الشهيرة الحصول على تصريح ببناء (مجمع فندقى تجارى وسكنى) وكانوا يملأون المنطقة أثناء إقامته بلافتاتٍ داعرةٍ مكتوبٍ عليها: سان ستيفانو مشروع صديق للبيئة.. والتهم هذا المشروعُ، صديق البيئة، الحدائقَ الواسعة التى كانت تحيط بالفندق القديم المكوَّن من طابقين، فقط، وكانت متنفَّساً لمنطقةٍ سكنيةٍ واسعةٍ تحيط بالفندق القديم ذى الطراز الإنجليزى. وعلى المساحة الهائلة، قام مبنى مهولٌ هو المعروف اليوم بفندق «فورسيزون» ومول «سان ستيفانو» وهو مبنى فاحش الفخامة، قمىء العمارة، سميته سابقاً فى مقالةٍ عنوانها (الوحش) نُشرت لى بجريدة الوفد قبل عدة سنوات.
سان ستيفانو في الستينيات. هدم في 2001 (من موقع aaha.ch)
 سان ستيفانو جراند بلازا: فندق وشقق سكنية ومجمع تجاري على شاطئ الإسكندرية (من موقع Hotel.com)

عمارة حي الجمرك: الكارثة المنتظرة

اسكندرية 2012
المكان:
أحشاء المدينة المتعَبة.. حارة «القبو الغربي» المتفرعة من حارة «البقطاريه»، من شارع النصر، حي الجمرك. الوصول لموقع الكارثة صعب. حارة ضيقة تؤدي إلى حارة أضيق. متاهة عمرانية خانقة. 
   
الزمان:
عصر السبت، 14 يوليو 2012.
   
الجريمة:
انها الجريمة التي كنا نتوقعها جميعا وننتظر حدوثها بين لحظة وأخرى، منذ انتشار وباء البناء بدون تراخيص في الإسكندرية بعد ثورة يناير. عمارة سكنية حديثة البناء من أحد عشر دور تميل بشدة بشكل مفاجئ، قبل أن تنهار بالكامل في لحظات مثل بيت من أوراق الكوتشينة، جاذبة معها أربعة بيوت أخرى في رحلة الانهيار، لتخطف أرواحا لم نعرف بعد أعدادها بالكامل.انها أولى الكوارث، وغالبا لن تكون الأخيرة. اذهب بنفسك هناك لتسمع الحكايات المؤلمة. هنا كان يعيش عجوز لا يعرف مكانه أحد. وهنا عائلة بالكامل ابتلعتها الكارثة. الدور الأرضي يشغله مخبز بلدي كان مكتظا بالعمال والزبائن وقت الانهيار، وهو ما يعني أيضا أن هناك عدد من أنابيب البوتاجاز لا تزال ترقد تحت الأنقاض كقنابل غير موقوتة.
عن المصري اليوم - تصوير حازم جودة
تحركات المسئولين بعد وقوع الكارثة المتوقعة من الممكن أن نعتبرها جريمة أخرى. لا إمكانات. لا معدات حديثة. لا خطة لإدارة الأزمة. الأهالي يبحثون عن ذويهم بأنفسهم. قوات الأمن والجيش في حالة ارتباك مثير للغثيان. بالضبط نفس ما رأيناه وقت كارثة «عمارة لوران» التي راح ضحيتها 36 انسانا في ديمبر 2007. لم يتغير أي شيء. لم نتعلم من أخطائنا الجسيمة أي دروس. 
محاولات انقاذ بدائية يائسة
من الجاني؟
في بادئ الأمر أعلن الحاج «أحمد أكبر» مالك العقار أنه سيبني فقط دورين أو ثلاثة على قطعة الأرض التي لا تزيد عن 40 مترا مربعا، لتصبح كل دور ورشة. هكذا يروي أهالي المنطقة الفصل الأول من المأساة. لكن كما نعرف جميعا لم يعد هناك رقيب أو حسيب بعد الثورة، فلماذا لا يخالف؟ وكلما أضاف الرجل دورا بلا ترخيص وجد غيره يضيف أدوارا فوق أدوار في الجوار، وفي كل أنحاء المدينة المتعَبة، فيقرر أن يفعل مثلهم.. "الله؟ .. إشمعنَى أنا يعني.. ما كله بيبني، وكله بيخالف.. جَت عليا أن يعني؟". هكذا برر الجُرم لنفسه بالطبع. 
لكن، من ترك الحاج أحمد يشيّد جريمته ذات الأحد عشر دورا؟ كيف ارتفع البناء بالتدريج، بلا أساسات، تحت سمع وبصر مسئولي الحي التعس؟
 نحن أمام احتمالين، كلاهما مأساوي:
السيناريو الأول: أن المبنى تم بناؤه بالتنسيق مع مهندسي الحي: نعرف أن امبراطورية الفساد الإداري في مصر تحتاج عقودا ليتم تفكيكها (إذا أردنا ذلك، على فكرة). بعض الناس في الشارع يتحدثون عن "الرشاوي اليومية" التي كان مهندسو الحي يتقاضونها أثناء تشييد المبنى. إن صحت هذه التهامات، كيف أيها "الباشمهندسون" و"الباشمهندسات" تصمتون وتتقاضون ثمن صمتكم وأمامكم بناء يرتفع بلا أساسات؟ ألم تدرسوا عواقب هذه الجريمة في كلياتكم؟ أين دفنتم ضمائركم؟ وأين رؤساؤكم ورؤساء رؤسائكم؟ هل قام رئيس حي الجمرك بزيارة حارة البقطارية منذ تولى منصبه؟
السيناريو الثاني: أن مهندسي الحي قاموا بواجبهم وحرروا بالفعل محاضر وافية بمخالفات المالك، وهو ما يستوجب بالتالي أن يتم إزالة العقار بمعرفة قوات الأمن بقوة القانون. طبقا لتصريحات د. اسامة الفولي، محافظ الإسكندرية المستقيل، فإن عدد ما تم حصره بالفعل من العقارات المخالفة بعد الثورة بلغ 8 آلاف عقار مخالف، بخلاف التعليات المخالفة على العقارات القديمة. كل هذه المخالفات لم يتم إزالتها لأن قوات الأمن في الإسكندرية (وفي سائر أرجاء المحروسة) توقفت تماما منذ اندلاع الثورة عن تنفيذ القانون فيما يتعلق بمخالفات البناء.
الاحتمالان قائمان، وربما كان الأمر خليطا من الاثنين. وهكذا لم يجد الحاج أحمد من يوقفه، فاستمر في تعلية المبنى في طمأنينة كاملة لم يقطعها سوى صوت الانهيار المروع مختلطا بصرخات الضحايا.
لكن يبقى أيضا أن أسألكم: لماذا صمت المجتمع؟ لماذا صمتم جميعا يا سكان الإسكندرية؟ هل نسيتم مأساة عمارة لوران؟ ألا يعرف الجميع أن هذه العمارات تبنى بدون إشراف هندسي وبواسطة مقاولين جهلة وبأساليب بناء خاطئة؟ لماذا صمتم يا ناس؟ أتعرفون؟ الصمت على الجرم تواطؤ.


   
شهادة:
بعد الثورة بأيام قليلة، بدأ وباء البناء غير المرخص في الإسكندرية. ارتفعت الأدوار المخالفة بطول الإسكندرية وعرضها بشكل يفوق الخيال. وقتها بذل عدد من المهتمين بأمر هذه المدينة المنكوبة كل ما في وسعهم لوقف هذه المهزلة. سأذكر هنا ما عاصرته بنفسي.
عندما تحول الأمر إلى ظاهرة واضحة، سارع عدد من المعماريين السكندريين (*) بإنشاء صفحة «معا للحفاظ على عمران الإسكندرية» على فيسبوك ليدعوا سكان الإسكندرية للحفاظ عليها برصد مخالفات البناء وهدم العقارات التاريخية. استجاب الكثيرون بالفعل وشارك معهم المئات بما يشبه البلاغات عن المباني وعن التعليات المخالفة وعناوينها وصورها. وقتها كان حماس ما بعد الثورة مشتعلا، كان الجميع يحلم بمصر أجمل وأرقى ويرون الحلم قريبا جدا جدا. صفحات أخرى على فيسبوك أيضا قامت بنفس المبادرة في نفس التوقيت، منها صفحة «رصد مخالفات البناء في الإسكندرية» وصفحة «رصد مخالفات البناء أثناء الثورة» و«مقاومة المواطنين الشرفاء لمخالفات البناء»، بخلاف جهود أخرى عديدة. قام هؤلاء المعماريون بتوقيع العقارات المخالفة على خرائط في شكل تقرير مفصل. قابلوا المسئولين. قدموا للـ «منطقة الشمالية» للقوات المسلحة ما جمعوه من بيانات وعناوين وخرائط وصور. 
وانتظروا أن يتحرك المسئولون والتنفيذيون...
ومازالوا منتظرين!
مثال من مشاركات صفحة «معا للحفاظ على عمران الإسكندرية»
المخالفات التي تمت إزاتها لا تذكر. وكان من أغرب ما سمعنا في هذا الوقت أن تجاهل هذه الظاهرة المخيفة مقصود ومتعمد. فالقائمين على شئون البلاد أرادوا أن ينشغل جزء كبير من الفئات الفقيرة والمهمّشة في المجتمع في عملية البناء غير المرخص كحل مؤقت لتفادي انفجار هذه الفئات. والنتيجة: عشرات الآلاف من المباني البائسة كل منها ينتظر نفس مصير عمارة حي الجمرك بين لحظة وأخرى. أصبح البناء المخالف هو القاعدة وليس الاستثناء المجرَّم. وأصبحت البلطجة هي سيدة الموقف. في الحالات القليلة التي أزيلت منها الأدوار المخالفة، أعاد الملاك بنائها مرة أخرى! وامتد البناء إلى أراضي الدولة والأوقاف بل وقام البعض بالبناء في عرض الشارع وفي حرم خطوط السكة الحديد. لم يعد هناك شارع في الإسكندرية يخلو من مخالفة بناء.
   
السؤال الآن عن الحل. ما العمل؟ كيف سننقذ ألاف العقارات المخالفة من مثل هذا المصير المخيف؟ كيف ستنجو الإسكندرية من هذه الكارثة المتوقعة؟ هل نستطيع أن نزيل الآن كل ما بُني بشكل مخالف؟ أم سنستيقظ غدا على انهيار جديد وضحايا جدد؟ ماذا لو وقعت هزة أرضية في الإسكندرية كتلك التي ضربت القاهرة والدلتا منذ أيام؟ كم بناء سينهار حينها وكم روح ستزهق؟ هل تستطيع أن تتخيل الأرقام معي؟ هل سنجلس هكذا مكتوفي الأيدي في انتظار الكارثة؟ 
يا الله!
يقول نجيب محفوظ على لسان «الشيخ عبد ربه التائه» في «أصداء السيرة الذاتية» عندما سُئل الشيخ: "كيف الخروج من المحنة التي نعانيها؟"، فأجاب: "إذا خرجنا سالمين فهي الرحمة.. وإذا خرجنا هالكين فهو العدل."

(*) المجوعة المذكورة تكونت من كل من د. دينا سامح طه، د. مي عباس يحيى، د. ياسر عارف، م. أحمد أبو الوفا، م. محمد مهينة، وكاتب هذه السطور. وقد قام أستاذنا د. عباس يحيى بجهود عديدة لتقديم هذه البيانات إلى المسئولين في هذا الوقت.

صورة: نفس المصير!

على بُعد خطوات من النادي اليوناني اللي حيتهد في أي لحظة، تقدر تشوف العمارة دي.
عمارة ارتفاعها 20 دور، يعنى 60 متر، على شارع عرضه 10 أمتار.
 بموجب القانون المعيب بتاع مرة ونص عرض الشارع المفروض ماتزيدش الارتفاعات في الشارع ده عن خمس أدوار أو 15 متر، زي باقي العمارات اللي في الشارع.

توقعوا نفس المصير لمبنى النادي اليوناني!

د.أيمن النحـراوى يكتب: سرطان مخالفات البناء يسرى فى جسد الإسكندرية


لن تعبر هذه الكلمات مهما أسهبت عن المأساة التى تعيشها الإسكندرية هذه الأيام؛ فالمدينة التى كانت يوما عروس البحر المتوسط تتعرض الآن للاغتصاب بواسطة جحافل مقاولى ومستثمرى البناء ومحترفى الربح السريع بأى ثمن وبكل أسلوب؛ فى ظل غياب هيبة الدولة وسلطة القانون والردع الأمنى، حيث يجرى يوميا هجوم محموم دون هوادة أو وازع أخلاقى أو إنسانى أو حضارى على تراث الإسكندرية من الفيلات والقصور التاريخية والمبانى والأبنية التى أبدع فى بنائها عباقرة المعماريين والمهندسين الإيطاليين واليونايين والمصريين؛ لتدميرها وهدمها جهارا نهارا وتسويتها بالأرض تمهيدا لإقامة أبراج شاهقة محلها وبنايات عملاقة لا تلتزم ضوابط ولا قانون فى إقامتها؛ قانونها الوحيد هو قانون التاجر الجشع المستعد لعمل كل شىء وأى شىء من أجل الربح.
من موقع وكالة ONA للأخبار
هذه الجريمة لا تتعلق فقط بالقضاء على الطابع الحضارى الفريد للإسكندرية أو تراثها المعمارى والذى يكاد يندثر أو فى طريقه للاندثار؛ بل تتعلق بما يترتب على هذه الجريمة من تداعيات على الحياة فى مدينة الإسكندرية والتى تدهورت أحوال شوارعها ومرافقها بصورة لم يسبق لها مثيل؛ إن المدينة التى تم وضع نواة تخطيطها وتقسيمها الحديث فى بدايات القرن الماضى ارتكزت على تحديد الطاقة الاستيعابية لشوارعها وميادينها ومبانيها ومرافقها وفق ضوابط وارتفاعات وأعداد سكان محسوبة جعلت الإسكندرية بمثابة أقرب المدن المصرية إلى طابع المدن الأوروبية وجعلت منها واحدة من أحب المدن فى مصر سواء لأهلها أو للمصريين جميعا.

اليوم وكل يوم يمكن لأهالى الاسكندرية أن يقضوا الليل مستمعين إلى أصوات البلدوزرات وهى تدمر دون رحمة الفيلات والقصور والمبانى الرائعة، التى طالما كانت بهجة للناظرين بطرازها المعمارية الفريدة وحدائقها التى طالما عبقت الهواء بعبير الزهور وأريجها فى طوال شهور الربيع ومطلع الصيف؛ يمكن الآن أن تسير فى أى شارع فى أى منطقة لتشاهد آثار هذا العدوان الغاشم كأنما ضربت هذه المبانى بالقنابل؛ وخلال عدة ساعات من شروق الشمس على حدوث الجريمة وفى موقع الحدث يصطف رتل طويل من سيارات النقل لتحميل الأنقاض بسرعة تحسبا لأى طارئ قد يفسد المناسبة ويجهض المشروع ويذهب أحلام الربح الجشع وأمانيه.

وخلال أيام معدودة تتم عملية حفر الأساسات على قدم وساق ثم يبنى الطابق تلو الآخر فى فترة زمنية وجيزة قد لا تسمح حتى باكتمال جفاف الخرسانة وتصلبها وهنا يتم اللجوء إلى المواد الكيماوية التى تسرع بجفاف الخرسانة تمهيدا للانطلاق نحو بناء الطابق التالى؛ وهكذا ففى فترة زمنية وجيزة يحل البرج الشاهق محل الفيلا الأنيقة وبدلا من أسرة واحدة تسكن الفيلا وسيارة واحدة بداخلها أو أمامها، يظهر إلى الوجود برج شاهق قد يصل إلى 22 طابقا يقطنه ما يزيد عن 80 أسرة بأبنائها وسياراتها؛ ومرافق الشارع من كهرباء ومياه وصرف صحى وصناديق قمامة وغيرها من المرافق والخدمات التى جهزت للتعامل مع فيلا واحدة أصبحت اليوم تأن تحت وطأة سكان البرج الشاهق .

مئات من الأجهزة الكهربائية وأجهزة التكييف ومواتير المياه تعمل على مدى اليوم لتولد طلب استهلاكى هائل على الطاقة الكهربية؛ فى برج واحد يوجد مثله عشرات الأبراج فى نفس الشارع فى نفس المنطقة التى تضم عشرات الشوارع المماثلة؛ فينقطع التيار تحت وطأة الضغط الاستهلاكى؛ وكذلك المياه؛ أما شبكات الصرف الصحى التى صممت لاستقبال صرف الفيلات والمبانى ذات الارتفاع المناسب لعرض الشارع وطاقة مرافقه؛ فلا تحتمل التصريف الهائل للبرج فتنفجر مواسير الصرف وتطفح البالوعات مشكلة فينيسيا إسكندرية من مياه الصرف التى تحمل الأمراض والموت لسكان الشارع والمنطقة؛ يضاف إلى ما سبق مسألة الجراجات التى يحرص أصحاب الأبراج على تجاهلها فيتسابق أصحاب السيارات لركن سياراتهم صف أول وثانى بالشارع ليصبح المرور حارة واحدة مختنقة دوما وطوال الوقت. 

نحن اليوم لا نتحدث عن شارع بعينه أو منطقة بعينها تجرى فيها هذه الجريمة، بل عن ظاهرة تجتاح المدينة دون ضابط أو رادع؛ الإحصاءات أشارت إلى هدم ما يزيد عن عشرة آلاف فيلا وقصر فى أنحاء الإسكندرية وعن أكثر من 160 ألف مخالفة بناء وتعلية وهدم مبانى دون ترخيص؛ المحافظة نفسها رفعت الراية البيضاء واستسلمت أمام هذه الجحافل والمصالح برغم وجود القوانين الرادعة المانعة؛ والفساد الذى توارى مؤقتا فى الإدارات المحلية والهندسية والتنظيم والأحياء عاد من جديد ليعمل بدأب فليس هناك من رقيب ولا حسيب ولا رادع؛ المصالح المتبادلة بين العديد من الموظفين العموميين فى هذه المواقع الحساسة وبين شركات ومقاولى البناء والمستثمرين النهمين سمحت بوجود هذا التحالف الصامت بينهم؛ فالكل يثرى والكل مستفيد.

السؤال الذى يفرض نفسه هل عجزت الدولة عن تطبيق القانون ؟ لا أعتقد ذلك لأن المشكلة هى فى الإرادة؛ فالوسائل متعددة ومتنوعة للتصدى لهذه الجريمة المستمرة؛ ومحافظ الإسكندرية أعلن أنه لا يستطيع الوقوف فى وجه المخالفات؛ وأعلن عدم قدرة المحافظة وأجهزتها على التصدى لها لأسباب متنوعة فى مقدمتها انشغال الأجهزة الأمنية والأحداث الجارية وعدم توافر الموارد اللازمة؛ ومواطنو المدينة وقفوا بعد سماعهم لهذه التصريحات يتحسرون على دمار مدينتهم وزوال تراثها الحضارى والمعمارى وطابعها المميز؛ فها هى السلطة التنفيذية تعلن عجزها متذرعة بشتى الأعذار والحجج .

وفى أعقاب كل تصريح متخاذل تشتد الهجمة الإجرامية على المدينة وتراثها الحضارى والمعمارى؛ تكاد على أثرها المدينة تتحول إلى غابة خرسانية هائلة تحجب الشمس والهواء؛ والمحورين الرئيسيين لحركة المرور فى المدينة طريق الحرية وطريق الكورنيش؛ صارت حركة المرور فيهما بطيئة تماما والاختناقات المرورية الرهيبة صارت منذ شروق الشمس حتى ما بعد منتصف الليل بساعات برغم أننا مازلنا فى أيام البرد القارس، حيث معظم السكان ملتزمين منازلهم؛ فماذا سيحدث فى مطلع الصيف حيث تزداد الحركة فى الشوارع بالإضافة إلى مليون مصطاف يدخلونها يوميا .

هل يعلم من يقترف هذه الجريمة ومن يتواطأ معه على تنفيذ جريمته بأنه هو الآخر مجرم بأنهم جميعا مجرمين فى حق الوطن والمجتمع ومواطنيهم وفى حق أنفسهم وأبنائهم وحاضرهم ومستقبلهم ومستقبلنا جميعا ؟ بالتأكيد يعلمون ذلك تماما لكن الأرباح المليونية الطائلة قد أعمت بصيرتهم وطمست على ضمائرهم؛ ويعود سيادة المحافظ ليعلن حاجة المدينة مبدئيا إلى 900 مليون جنيه لإصلاح البنية الأساسية فى ظل هذه الظروف الاقتصادية الحرجة؛ ملايين الجنيهات ستنفق للترميم والإصلاح لبنية أساسية تهالكت تحت وطأة المخالفات؛ ملايين الجنيهات ستنفق ولن تحدث تعميرا حقيقيا ولا تنمية حقيقية؛ مئات الملايين من الجنيهات أنفقت فى مواد البناء من الحديد والأسمنت ومستلزماتها على عمارات وأبراج شاهقة مخالفة لقوانين ولوائح البناء؛ ولو أحسن توجيهها وفق تخطيط علمى سليم لأقامت هذه الملايين مدينة جديدة ومجتمع جديد.

هذه الجريمة تستوجب العقاب الحاسم والرادع والمانع لتكرارها ولا سيما أنها لا تمس فردا بعينه بل تمس المجتمع بأكمله وتؤثر فى حاضره ومستقبله؛ وبدلا من أن يخرج الجيل القادم إلى مجتمع جديد يفتح به ومعه آفاق جديدة إذا به يتكدس فى نفس الرقعة الضيقة والمساحة التى ضاقت عن ساكنيها واكتظت بهم وبمشكلاتهم وإذا بها تنذر بأوضاع مستقبلية لا تحتملها مدينة ذات ستة ملايين نسمة يعيشون محاصرين بين البحر والبحيرات على شريط ضيق خانق لهم ولحياتهم. 

لا تصالح مع الجريمة؛ وأى كانت الأسباب والمبررات لا يمكن القبول بالتصالح مع هذه الجرائم والمخالفات الصارخة للقانون والنظام والقيم والمجتمع؛ لا تصالح مقابل غرامات مالية على المبانى والأبراج المخالفة؛ فأى كانت قيمة الغرامة المالية فهى زهيدة قياسا بالملايين التى حققها من خالف القانون وضرب به وبالنظام عرض الحائط؛ وهى زهيدة مقابل ما ستتكبده الدولة من نفقات هائلة لاحتواء تداعيات هذه المخالفات وآثارها السلبية على الاقتصاد الوطنى؛ وهى أيضا زهيدة قياسا بزوال الإرث الحضارى والمعمارى للمدينة.

هناك حتمية للعقاب الرادع الذى يصل إلى السجن لعدة سنوات لمختلف الأطراف المشاركة سواء كان صاحب العقار أو المقاول أو شركة البناء أو الموظف المرتشى؛ وحتمية فى إنزال العقاب الإدارى الصارم بعدم توصيل الكهرباء والمياه وشبكات الصرف الصحى نهائيا إلى المبانى المخالفة؛ وحتمية لتحميل المجرم نفقات إزالة وتصحيح وعلاج جريمته؛ حتمية لتحميل المجرم جزاء ما اقترفت يداه فى حق الوطن والمجتمع والمواطن؛ وليكون عبرة لمن يعتبر.