Alexandria

مقال د. محمد عوض: تحولات المنشية

هذه ترجمة لمقال كتبه د. محمد عوض، أستاذ العمارة والمؤرخ السكندري وصاحب واحدة من أندر مجموعات الصور والخرائط للمدينة. المقال نشر عام 1996 ضمن عدد من المقالات والمختارات ضمها كتاب «الإسكندرية المصرية» Alexandrie en Égypte، وهو في الحقيقة العددان 9/8 من سلسلة  Méditerranéennes غير الدورية. الكتاب قام بتحريره كل من «كِنيث براون» Kenneth Brown و«حنا داڤيز طيّب» Hannah Davis Taieb بالاشتراك مع الأديب الكبير إدوار الخراط والناشط السكندري الراحل د. عادل أبو زهرة. ورغم أهميته، لم تعاد طباعة الكتاب ولم تتم ترجمته إلى العربية منذ صدوره.

مقال د. عوض مرجع ثري عن تاريخ ميدان المنشية وعمارته وتحولات المجتمع السكندري منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر وحتى نهاية القرن العشرين. هذه هي الترجمة الأولى له باللغة العربية. وإلى جانب الترجمة، تنشر «جدران مدينة متعبة» النص الأصلي باللغة الإنجليزية، لصعوبة الوصول إليه أيضا. الترجمة مصحوبة بالصور والخرائط التي ضمنها عوض في النص الأصلي.

كل الشكر لدكتور عوض لموافقته الكريمة على نشر النص وترجمته.


العنوان الأصلي للمقال: (1996) The Metamorphosis of Mansheyah

د. محمد عوض
ترجمة: محمد عادل دسوقي

 في قلب مركز الإسكندرية الأوروبي يقع "الميدان" أو "المنشية". عبر تاريخه الحديث حمل هذا الفراغ أيضا أسماءً أخرى مثل «ميدان السلاح»، «الميدان الكبير»، «ميدان القناصل»، «ميدان محمد علي»، ثم الآن «ميدان التحرير». هذه الأسماء تعكس التغيرات في أحوال المجتمع المصري الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بشكل عام، ومجتمع الإسكندرية بشكل خاص.

الميدان هو أقدم الفراغات الحضرية في المدينة الكوزموپوليتانية. هنا بدأت الكوزموپوليتانية وازدهرت في بدايات القرن التاسع عشر برغبة وتشجيع محمد علي، حاكم مصر التقدمي (1805-1848) وخلفائه. ومن المفارقات، أن هنا أيضا قام الزعيم القومي جمال عبد الناصر بإعلان تأميم قناة السويس في السادس والعشرين من يوليو 1956، مُنهيا بذلك قرنا ونصف من الكوزموپوليتانية بالمدينة.
 في الفترة الهيلينستية من تاريخ المدينة، امتد هذا الجزء من البروز الشمالي لمدينة «راقودة» (راكوتيس) بالأحياء القديمة لسكان المدينة الأصليين إلى داخل «الميناء الكبير» إلى الغرب من معبد «السيزيريوم» والسوق الكبير (الامپوريوم).

وصف الجغرافي «سترابون» هذا الموقع كمخازن ومناطق لبناء السُفن امتدت حتى جسر «الهيبتاستاديوم» الذي كان يربط بر المدينة بجزيرة «فاروس».

في العصر الإسلامي اتسعت المساحة المحيطة بجسر «الهيبتاستاديوم» نتيجة لتراكم الطمي حول جانبيه. لقد خلت المدينة القديمة -التي صارت أطلالا في ذلك الوقت- من السكان تدريجيا. وانتقل العمران خارج أسوار المدينة إلى تلك المنطقة المحصورة بين المينائين، فيما أصبح معروفا فيما بعد باسم «المدينة التركية». انتقلت أنشطة الصيد وصناعة القوارب نحو شمال غرب الميناء، في الوقت الذي تطور فيه قلب المدينة التركية إلى الغرب من «المنشية»، ليصبح منطقة تجارية حملت أسواقها دائما أسماءً ما بها من بضائع (مثل سوق العطارين وسوق السمك)، أو بما فيها من مهن (مثل سوق الطباخين)، أو أعراق (مثل سوق المغاربة). وشاع بناء الوكالات باستخداماتها المتعددة التي تشمل المسجد والمدرسة والمسكن والمتجر. ولا تزال وكالة «تِربانة» (1685) ووكالة «الشوربجي» (1757) قائمتين بالفعل كاثنتين من أهم الآثار الإسلامية بالمدينة.

عندما رست حملة «بوناپَرت» في الإسكندرية في 1798،  كانت المساحة التي تشغلها «المنشية» اليوم ساحة مفتوحة. في كتاب «وصف مصر» الشهير (1809) جاء وصف علماء الحملة للواجهة البحرية الشمالية الغربية باعتبارها مقابر لمسلمين، ربما في إشارة لمنطقة تجمع المساجد التي أنشأها الحجاج المغاربة حول مسجد «أبي العباس المرسي» حوالي عام 1767.

 أما الخرائط العسكرية لرسو الحملة الفرنسية فهي تحدد حيزا غير محدد المعالم أطلقوا عليه اسم «الساحة المستوية». يظهر هذا الاسم في خريطة «هنري سالت» عام 1806، مثلما يظهر منزل هذا القنصل البريطاني مقاما في الشمال الغربي على البحر مباشرة. في 1814 وصف الرحالة الإنجليزي «برامسِن» المكان: "الميدان الكبير قرب البحر متسع، لقد تم تحسينه وتغطيته بالحصَى بواسطة الأوروبيين الذين جاءوا إلى هنا ليتنفسوا نسائم البحر". تتفق هذه الرواية مع ما جاء بخريطة القبطان «و. هـ. سميث» عام 1833 والتي تحدد الحيز باسم «ساحة مواكب العرض». بعدها بعام ظهر اسم «ميدان السلاح» في خريطة «سالينِر دو ڤويللو» على الساحة التي لم تكتمل بعد، وان بدأت في التشكل مع اكتمال بناء القنصلية الفرنسية في موقع مركزي منها. مع انشغال محمد علي بالحملات العسكرية، اتخذت الإسكندرية دور الحامية العسكرية كونها القاعدة العسكرية والبحرية للجيش والأسطول المصريين، وربما كان الميدان آنذاك ساحة للعروض العسكرية. الخريطة المعدلة للقبطان «سميث» سجلت إزالة البوابة القديمة لأسوار المدينة العربية لافساح الطريق لامتدادات «الحي الافرنجي»، بينما كانت أرصفة الميناء لا تزال تحدد قطاعه الشمالي. ويظهر الشكل بالغ الاستطالة للميدان بشكل أكثر تحديدا في خريطة الكولونيل «ناپيرز» (1841-1846)، وعلى نهايته الشرقية يظهر قصر «توسيتزا». وأخيرا يظهر الميدان الموَسع كاملا في خريطة «تشارلز مولر» في 1885.

 كانت الإسكندرية قبل 1834 قد تشكلت بتأثيرات تركية. بُنيت المدينة في معظمها بواسطة نظام الطوائف التقليدي بالبنائين والحرفيين المعلمين. وتوافقت اشتراطات البناء مع الشريعة الإسلامية والممارسات التقليدية. بدأت العمارة تتأثر بالنماذج الأوروبية عندما سعى حاكم مصر إلى تأكيد وضعه السياسي المستقل ولتأسيس دولة حديثة. حدث ذلك في الوقت الذي اندمج فيه اقتصاد الدولة تدريجيا في النظام الاقتصادي العالمي كمنتج ومصدّر رئيسي للقطن. تعززت علاقات مصر مع أوروبا عن طريق القناصل الأجانب المقيمين بالبلاد، والذين قاموا أيضا بدور الوكلاء التجاريين. امتد حي الإسكندرية الأوروبي من شارع الافرنج (الآن شارع فرنسا) وحتى الميدان الجديد؛ جاء أغلب المهاجرين إليه من دول المتوسط بجنوب أوروبا ودول المشرق العربي. وأصبح وضعهم أفضل في ظل نظام الامتيازات الأجنبية الذي منح مميزات خاصة للأوروبيين في الولايات العثمانية حيث أعفاهم من الضرائب ومن المحاكمات وفقا للشريعة الإسلامية.

 تحديث البيئة العمرانية تضمن اتباع معايير بناء وأساليب تخطيط أوروبية. لقد طرحت المدينة التركية التقليدية والأحياء الفقيرة غير المخططة مشكلات عدة مثل صعوبة الحركة وتكرار انتشار الأوبئة. فقام محمد علي بتعيين مستشارين أجانب قاموا بتطبيق مواصفات البناء ونماذج تخطيط المدن الأوروبية الجديدة. يقول «سيريسي» المهندس الفرنسي المسئول عن بناء الترسانة عام 1834 "إن نظام البناء يأتي على نفس مستواه في أي مكان في العالم. نحن نملك بالفعل أبنية يمكن أن تعد رائعة حتى في باريس".

تبنى محمد علي تخطيط أحياء لتسكين أفراد القوات البحرية، حيث كان كل بيت في هذا الحي يتكون من طابقين لإقامة عائلتين، وفي مركز هذا الحي خُصص مكان لإنشاء مسجد. بعد أربع سنوات، تقدم «مُنجِل»، الذي كان قد وفد إلى المدينة لبناء أحواض لإصلاح السفن، للوالي بمقترح لتخطيط مدينة للسكان المحليين على الطراز المغربي الأندلسي، "مخططة بحيث تحتوي على ميادين وحدائق ذات نوافير، وذلك لمكافحة الأوساخ والرطوبة وتوفير تهوية أفضل في المدينة". وأصبحت هذه المقترحات قابلة للتحقيق مع إنشاء مجلس «الأورناطو» في 1834، جهاز التخطيط الأول من نوعه في المدينة، وفي الواقع، في مصر كلها. «الأورناطو»، الذي ربما كان مستوح من أجهزة مماثلة في مدن إيطالية مثل ميلانو أو فينسيا عام 1807، كان جزءا من وزارة الصحة، أو ما عرف باسم «انتندانس سانيتيير» (الإشراف الصحى) الذي ترأسه الإيطالي «كولوتشي بك». أسندت الإدارة الفنية بمجلس «الأورناطو» إلى المهنس الإيطالي «فرانشسكو مَنشيني» عندما ترأسه القنصل «مايكل توسيتزا»، الذي كان صديقا قديما ومقربا للوالي محمد علي. كان من بين المسؤوليات المتعددة للمجلس، بجانب اهتمامه بتنظيم الشوارع ومراقبة البناء وتصميم المباني العامة مثل المدارس والمستشفيات وغيرها، إنشاء "المركز الأوروبي" أو "الحي الأفرنجي" الجديد حول «الميدان الكبير». تم هذا تحت إشراف إبراهيم باشا ابن الوالي الذي كان يملك معظم أراضيه وأبنيته.

في موسوعته الشهيرة عن مصر في القرن التاسع عشر (الخطط التوفيقية) يصف «علي باشا مبارك» منطقة «المنشية» كأرض شاغرة شبه مفتوحة كانت تستخدم من قِبل البدو كسوق للماشية ولبيع بضائعهم كالتمر والصوف وما إلى ذلك. وكانت تعرف آنذاك بـ«كوم الحَلة». صودرت البيوت القليلة في هذه المنطقة وتم تعويض أصحابها. يذكر أن أول بناء أقيم في المنطقة كان مسجد «الشيخ إبراهيم» (1820)، أما الثاني فكان وكالة «محرم بك»، التي حملت اسم قائد الأسطول المصري وزوج ابنة محمد علي. وأعقب ذلك بناء سكن «دا أناستازي» وسكن «چيبرا» الذي اشتراه الوالي لاحقا. أما أسواق اللحوم والخضروات فكانت في الأصل أزقة أو حارات قام الوالي بمنحها للأمراء الذين قاموا باستثمارها في النهاية. تدل هذه المبادرات بوضوح على اتساع نفوذ وثروة هذا الحاكم المطلَق وأسرته ومدى اهتمامهم بتشجيع "تغريب" البيئة العمرانية.

«ميدان القناصل» الجديد قام بتصميمه المهندس «مَنشيني» الذي قيل أنه أيضا قام بتصميم معظم مبانيه. الميدان الذي بلغ طوله 420 مترا وعرضه 65 مترا أحاطت به المباني بالكامل. أبنية سكنية مستطيلة بارتفاع ثلاثة أو أربعة طوابق بدت مشابهة لمفهوم الأبنية المطبق في مدن إيطالية مثل ميناء «تريسته» إبان حكم الإمبراطورية النمساوية المجرية بمنتصف القرن الثامن عشر. لقد أوشكت الإسكندرية أن تصبح الميناء الرئيسي لإمبراطورية محمد علي الجديدة.

كان للمباني مظهرا إيطاليا شرقيا. تم طلاؤها باللونين الأصفر والوردي على غرار النمط السائد في الشام ومدن شرق المتوسط، وتزينت واجهاتها بقوالب زخرفية منسوخة، بنوافذ أوروبية بضلف "شيش" على الطراز الڤينيسي.

في البداية وُضعت مسلة قصيرة من الألباستر حديثة الصنع في مركز الميدان. وهو ما أثار الكثير من السخرية في بلد تتوفر فيه المسلات الأصلية. وكانت به كذلك نافورة في ناحية واحدة.

في عام 1857 ذكر «بارتيليمي سانت هيلير» أن "الإسكندرية مدينة نصف أوروبية، يتساوى «ميدانها الكبير» بأمثاله في المدن الكبرى بفرنسا". بينما اختلف مشاهدون آخرون لنفس الفترة في الرأي، مثل «پواتو» الذي وصف الميدان بالعاري "بلا شجرة واحدة تدفئ طبيعته الباردة دائما". ووصف «تيوفيل جوتييه» طابع الميدان الهجين: "على الرغم من الأشكال الأوروربية غير المكتملة، قد لا نزال نشعر أننا في أفريقيا". أما «لوتين دي لاڤال» فقد أكد أن المدينة قد فقدت ملامحها الشرقية الخلابة، غير أنه أشاد بالمكاسب المحلية التي نتجت عن برامج الإصلاح التي اتبعها محمد علي وتجديده.

ارتبطت الثروة المبكرة بميدان القناصل بثروات اليونانيين الجديدة، وبأصدقاء الوالي وشركائه المقربين في التجارة. وقف قصر المسيو «توسيتزا» (القنصل اليوناني) والذي صممه «مانشيني» بشموخ على رأس الجهة الشرقية للميدان. وكذلك كان هناك القصر الأنيق الخاص بالكونت «زيزينيا» قنصل بلجيكا. غلبت الأنشطة التجارية على الميدان: العديد من الوكالات الكبيرة مثل وكالة «چِبرا»، وكالة «دا أنستازي»، ووكالة «نوڤ» (الوكالة الجديدة)، كانت أدوارها الأرضية مخصصة لكل أنواع المشروعات التجارية والخدمات العامة. يذكر دليل «موراي» مكتبة «روبرتسَن وشركاه»، مجوهرات «روتشمَن»، «بوريه» لتصفيف الشعر، مصورين مثل «فوريليو» ومتاجر أزياء مثل «كورديه». وكان هناك أيضا العديد من المقاهي والمطاعم والفنادق. الأمير «عمر طوسون» تحدث في مذكراته "الإسكندرية عام 1868" عن المقهى الأكثر بريقا «لو كافيه دو فرانس نمرة 27» والفندق الشهير «اوتيل دوروپ» والذي كان يحتوي على حمام عام (برسم دخول 2 فرانك). وشملت الأنشطة التجارية الواقعة بالميدان أيضا شركات التأمين مثل «پييل وشركاه»، وشركة غاز «لِبون وشركاه»، و خدمات البريد الإيطالية، والبنوك مثل البنك «المصري الانجليزي». وعادة ما كانت الطوابق العليا لهذه الوكالات مخصصة للاستخدام السكني والمكاتب.

أشهر بناء على الميدان كان مبنى القنصلية الفرنسية والذي احتوى أيضا على خدمات البريد الفرنسية. كانت حدائق القنصلية تفتح للجمهور في عطلات نهاية الأسبوع وفي المناسبات الخاصة، وكذلك كانت  حدائق كنيسة «سانت مارك» الإنجيلية، وهي المبنى الديني الوحيد الذي حظى بموقع على الميدان مباشرة. تبرع محمد علي بالأرض عام 1839؛ وكان قد قام بلفتات مماثلة للتجمعات الدينية الأخرى تشجيعا لهم لبناء أبنية مبهرة. في محيط الميدان بُنيت كنيسة اسكتلندية، وكنيسة للبروتستانت الألمان والفرنسيين، وكنيسة للروم الكاثوليك، وللروم الأرثوذكس، وأخرى للموارنة والأرمن، في حين تجمع المسلمون حول منطقة مسجد «الشيخ ابراهيم». كان وجود أماكن عبادة قبطية ويهودية بالقرب من المواقع التاريخية يؤكد التكوين متعدد الأعراق للمدينة الكوزموپوليتانية الوليدة.

صممت كنيسة «سانت مارك» بين عامي 1841-1842 بواسطة المعماري البريطاني الزائر «چايمس وليَم وايلد». واستغرق بناؤها أكثر من 9 سنوات (1845-1854)، ربما بسبب نقص في التمويل. صُمم مسقطها على التقليد البازيليكي، وأظهرت واجهاتها تأثيرات بيزنطية وإسلامية ويهودية. كان مفهوم «وايلد» في التصميم استشراقيا وإنتقائيا، تمشيا مع وقته ومكانه.

كانت هناك تطورات محدودة في نشاط البناء في منطقة المنشية في عصر ما بعد محمد علي، رغم أن «عباس الأول» قام بتحويل نافورة قديمة إلى مبنى كبير حمل اسم ابنه «إلهامي باشا». تم بيع هذا المبنى بعد وفاته لليوناني سير «چون أنطونيادِس» بسعر بلغ 50 ألف جنيه، كما قيل آنذاك. وفي عام 1866 أُنشئت بورصة تبادل الأوراق المالية برأس مال أولي بلغ 24 ألف جنيه. واستُخدم قصر «توسيتزا» كمقر للبورصة الجديدة، وأيضا كمقر لمكاتب الإشراف الصحى و«الأورناطو». كما ضم المبنى أيضا مقر «النادي الدولي» ومكتبة عامة احتوت على حوالي 8000 كتاب.
البورصة في أوج ازدهارها

لم تمتد مخططات الخديوي اسماعيل لإعادة تخطيط القاهرة على طريقة المُخطِط الفرنسي «أوسمَن» إلى مدينة الإسكندرية التي كانت "مُغرّبة" بالفعل، باستثناء تزيين الميدان -الذي أصبح يعرف الآن باسم «ميدان محمد علي»- بعد إقامة تمثال لمؤسس المدينة الحديثة ممتطيا جواده. عُرض التمثال الذي صممه النحات الفرنسي «چاكومار» للمرة الأولى في «المعرض العالمي» لعام 1868. وقد تم تصميم قاعدته من رخام «كرارا» الأبيض بواسطة المعماري الفرنسي «أمبرواز پودري» (1871-1873). لم يمر أمر إقامة تمثال بتكلفة باهظة بلغت 2 مليون فرانك مرور الكرام، على الرغم من سلطة الخديوي وحكمه المطلق. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يقام فيها تمثال لشخص على متن جواد في ميدان عام في بلد مسلم. رفض علماء الدين هذه الفكرة، على الأقل لبعض الوقت، على اعتبار أن الشرع الإسلامي يعارض تصوير الأشخاص. ولم يتم وضع التمثال في مكانه إلا بعد تدخل رجل الدين الإسلامي المستنير الشيخ محمد عبده ، وهو صديق قديم ورفيق للخديوي.
[تجدر الإشارة هنا أن الإمام محمد عبده كان وقت إقامة تمثال محمد علي بميدان المنشية لا يزال طالبا بالأزهر الشريف في العشرين من عمره تقريبا. عُين الإمام مفتيا للديار المصرية في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني عام 1899 أي بعد إقامة التمثال بنحو ثلاثين عاما وظل في هذا المنصب لفترة ست سنوات أصدر أثنائها فتواه المعروفة بإباحة تصوير الأشخاص في الفنون البصرية وخاصة النحت - المترجم]
تمثال محمد علي بالمنشية
اشتهر عهد الخديوي إسماعيل بالامتيازات التي منحت لشركات الخدمات الأجنبية. أدخلت شركة «لِبون» الغاز إلى المدينة. وأصبح ميدان محمد علي، المضاء ليلا الآن، في كامل تألقه. شركة «كورديه»، المسؤولة عن معالجة المياه وتمديد المواسير، كُلفت بتشجير الميدان بأربعة صفوف من أشجار الأكاسيا (السنط)؛ وأضيف أيضا كشك للموسيقى ونافورة ليكملا تشجيره المتماثل.

أدى المأزق المالي بالخزانة المصرية في سبعينيات القرن التاسع عشر إلى اضطرابات سياسية واجتماعية. تنازُل الخديوي إسماعيل عن العرش، ثم ثورة عرابي بعدها، تُوِجا بأعمال شغب مناهضة للأوروبيين وبمجازر الإسكندرية المأساوية في يونيو 1882، والتي قُتل وجُرح فيها الآلاف من المصريين والعشرات من الأوروبيين. كان ميدان محمد علي والمناطق المجاورة له مسرحا لهذه الأحداث، والتي كانت بمثابة ذريعة للقصف البريطاني للمدينة وللاحتلال الذي أعقبه. الأحياء الأوروبية، بما في ذلك ميدان محمد علي، استُهدِفت ودُمِرت جراء القصف نفسه في 11 يوليو 1882 وما لحق به من أعمال النهب والحرق. ولم ينجُ من الميدان المدمَّر سوى مبنيان فقط، وهما البورصة وكنيسة «سانت مارك». شمل الدمار مسطحا بلغ 96,709 مترا مربعا، تضمن ما يقرب من 500 شقة في وسط المدينة وحفنة من الڤيلات في شارع «محرم بك».

أقيمت محكمة عسكرية أمام قصر «توسيتزا» وأُصدرت أحكام سريعة. وكانت «المنشية» نفسها مسرحا لعمليات الإعدام العلنية واستخدمت أيضا كمقابر لمن نُفذ فيهم حكم الإعدام.

في أعقاب القصف، قامت الحكومة المصرية بتعويض المُلّاك عن فقدان ممتلكاتهم. وبلغت قيمة التعويضات 4,5 مليون جنيه وغطت 4080 دعوى. وكانت هناك موجة من الازدهار نتيجة لتدفق مثل هذا القدر من الأموال، وأعيد بناء المدينة بشكل سريع.

التنمية السريعة في مرحلة ما بعد 1882 كانت بالأساس نتيجة لهذه التعويضات. وساهم التوسع فى التجارة وارتفاع أسعار القطن في استقرار الثروة بين طبقة برجوازية من السماسرة الشوام/الفرنسيين كانت تتألف من تجار وخبراء ماليين وأصحاب الأراضي. وحدثت طفرة  في البناء بين عامي 1882 و 1914، لم تتوقف سوى لفترة وجيزة أثناء أزمة المضاربة ما بين 1906-1907، وذلك في مناخ من الاستقرار السياسي ونمو اقتصادي مستمر وإعادة هيكلة إدارية.

سيطرت مجموعة ناشئة صغيرة من الوُجهاء ذوي النفوذ، ربما لا يزيد عددهم عن الألف، على معظم الأنشطة المالية في المدينة. أسماء عائلات مثل «أجيون»، «مِنَشَّا»، «سُرسُق»، «كرم»، «بَسترُس»، «سوارِس»، «رولو»، و«بوغوص نوبار»، وعائلات الجيل الثاني من الأثرياء اليونانيين، مثل «زِرڤوداكي»، «رالي»، «سالڤاجو» ، «بِناكي»، و«كوريمي»، كانت تظهر مرارا وتكرارا في مجالس إدارة البنوك وشركات التأمين وشركات الخدمات العامة والنوادي الاجتماعية.

هؤلاء الوكلاء والمصرفيون الذين أصبحوا مُسوِّقين عقاريين كانوا هم أيضا المساهمين الرئيسيين في شركات التطوير والتنمية المسئولة عن تطوير جزء كبير من «المنشية» وشارع «شريف باشا» والمباني المُطلّة على شارع «رشيد».

دور أساسي آخر قامت به هذه المجموعة الصغيرة، بالإضافة إلى أنشطتها في تطوير مجال المضاربة، كان تأسيسهم لـ«بلدية الإسكندرية» ذات النظام الإداري المستقل في عام 1890. وأسسوا فيما بينهم «المجلس المختَلَط» لإدارتها، وسيطروا بالتالي على مصير المدينة. وهو ما أعطاهم الفرصة لمواصلة تعزيز الطابع الأوروبي للمدينة.

تميزت إعادة بناء ميدان «محمد علي» فما بعد 1882 بهيمنة التأثير الإيطالي. من بين أهم مباني هذه الفترة كان مبنى وكالة «مِنَشَّا» (1885-1887)، والتي أقيمت على قطعة أرض مساحتها نحو 15 هكتار. الأرض التي اشتراها في الأصل البارون «ليفي دو مِنشّا»، تم استثمارها من قِبَل «الشركة العامة للمباني بمصر» (التي أسسها آل كرم، وأجيون، ومنشا، وسوارس). ثم قام المقاول اليوناني «ج. زورو» ببناء الوكالة وفقا لتصميمات المعماري الإيطالي «أنطونيو لاشياك». ثم تظهر تأثيرات مباني «ميلانو» التجارية المغطاة من جديد في مبنى «وكالة مونفراتو» الذي صممه «لويجي پياتوللي». هذه الاستثمارات التجارية جنبا إلى جنب مع «عمارة پريمي» التي صممها «لاشياك» أيضا، وفرع «البنك العثماني الإمبراطوري» الرئيسي الذي صممه «بروسپر ريمي»، وكذلك «البورصة» التي شغلت قصر «توسيتزا» بعد تجديده، أمّنت مستقبل الأعمال والنشاط التجاري واستمراره في الفراغ الحضري المعاد بنائه. مَعلمٌ آخر من معالم القرن التاسع عشر بالميدان كان مقر «المحاكم المختلطة» الجديدة التي صممها «ألفونسو مانيسكالكو» عام 1886.

كانت عمارة العصر الذهبي للإسكندرية في أواخر القرن التاسع عشر عمارة انتقائية متحفظة؛ بأشكالها وزخارفها التي تميل إلى طرز إحياء عصر النهضة وتبدو أكثر التزاما من الانتقائية الأكثر تحررا في بدايات القرن العشرين، وخاصة فيما يتعلق باستخدام القوالب الزخرفية المنسوخة. يخلق هذا التطوير الاتجاه الذي سيؤثر على وسط المدينة بأكمله.

تعززت "أَوْربة" التكوين العمراني للميدان مع توسعته لربطه بالكورنيش الجديد (1905)؛ وهو ما خلق فراغا حضريا جديدا، هو ميدان «الحدائق الفرنسية» (1909). واستمرت طرز الإحياء الأوروبية في هيمنتها على عمارة الميدان، رغم ظهور الطراز الإسلامي المستحدث في قصر «الأمير إبراهيم»، في إشارة خافتة للتكوين المزدوج للمدينة الكوموپوليتانية.

الميدان في بهاء عصره الذهبي
بدأ تجريد الميدان من قيمته بعد 1882، عندما قامت النخبة السالف ذكرها في نقل مساكنهم نحو شارع «رشيد» مثل «أجيون» و«سرسق» و«پيني»، أو إلى «الحي اليوناني» مثل «بِناكي» و«سالڤاجو»، أو إلى حي «محرم بك» مثل «مِنشّا» و«جرين» و«عَداه». وانتقل آخرون إلى ضاحية «الرمل» مثل آل «كرم» و«بِندر ناجل» و«زِرڤوداكي» و«لوران». واتخذت الأعمال التجارية، بما في ذلك البنوك، مقرّات في المناطق المجاورة للمنشية، حيث بدأ مركز جديد للمدينة في التوسع حول شوارع «شريف باشا» و«سيزوستريس» و«طلعت حرب». غير أن المنشية استمرت في الحفاظ على أهميتها بسبب وجود البورصة.

لم يشهد مطلع القرن العشرين الكثير من التغييرات في المنشية. كان الاستثناء المهم هو إنشاء خطوط الترام الكهربائية (1897-1904). وتعزز ميدان «الحدائق الفرنسية» المجاور بالمبنى المتأنق «للقنصلية الفرنسية» الذي تم بناؤه في عام 1909، والذي صممه مكتب «الأشغال العامة» الفرنسية، وأشرف على بنائه المعماري الفرنسي المقيم بالإسكندرية «فيكتور إرلنچيه». وفي عام 1912 صمم «إرلنچيه» أيضا بنايتين سكنيتين لحساب شركة «أليكساندريا سنترال» عند تقاطع شارعي «أديب» و«شريف باشا» بالقرب من البورصة. ويبدو أن التأثيرات الفرنسية قد ألهمت أيضا عمارة «وقف يعقوب الدهان» الرشيقة (فندق ماچيستيك) (1910)، والتي صممها «هنري غُرة» بك خِرّيج المدرسة المركزية بباريس، والتي تكاملت مع لاندسكيپ الحديقة الفرنسية.


استمر هذا التأثير الفرنسي في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى. ازدهر الاقتصاد المصري بسبب الزيادة في أسعار القطن، مما زاد من ثراء تجار المدينة. وكان «ج. قرداحي» المعروف باسم "ملك البورصة" من بين الأثرياء المتواجدين بالميدان. في عام 1926، قام بتمويل إنشاء مبنى شديد التميز قام بتصميمه المعماريون الفرنسيون «أ. دريسي» و«ل. أودين» و«ر. ليكار» كان طرازه المعماري إنتقائيا محافظا، ولكنه تميز بملمحين جديدين: التعبير الرفيع في التشكيل المعماري، ووجود الطوب الأحمر على واجهاته، وهو ما تناقض بشكل حاد مع الواجهات البسيطة أحادية اللون للمباني الأخرى على الميدان.

خلال الثلاثينيات والأربعينات تمت إعادة تطوير الميدان، مما أدى، للأسف، إلى إحلال بعض المباني القديمة والرائعة مثل بناية «پريمي». المطورون كانوا إما شركات تأمين، كشركة «مصر للتأمين» على سبيل المثال، أو رجال صناعة مثل «كوتسيكا» الذي أقام بناية على الميدان قام بتصميمها المعماريان الحداثيان «م. فلوري» و «ك. جورجيادس». تَنَاقَض ارتفاع المبنى الجديد بطرازه الحداثي المبكر بشكل حاد مع النظام والطراز القائمين في الميدان.

استمرت الاتجاهات الحداثية بعد ثورة 1952. في 1958، تمت إزالة الحي السكني الذي بُني إلى الجنوب من الميدان في القرن التاسع عشر، وذلك لافساح الطريق لشارع (طريق) «النصر»، وبذلك تم ربط الميناء بما أصبح الآن معروفا باسم «ميدان التحرير». وعلى طول طريق «النصر» وضعت البلدية مخططا شاملا جديدا لاستكمال التمصير؛ مبان سكنية منتظمة صممها المعماري المصري «محمود الحكيم»، خريج جامعة «ليڤربول»، كان من المفترض أن تضم العديد من الشركات، وخاصة تلك المرتبطة بأنشطة الميناء. لكن التوقيت كان خاطئا. وعلى الرغم من أن «الضباط الأحرار» اهتموا بالمشروع بشكل شخصي، لم تتفق الأهداف الإنمائية للمشروع مع الحقائق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في ذلك الوقت.

المشاعر المعادية للغرب، والتأميم، والنزوح الجماعي للأوروبيين من البلاد في نهاية المطاف، تبعها مصادرة الممتلكات المصرية التي تمتلكها الطبقات الغنية. وأدى ذلك إلى الحد من الأعمال وإلى انتقاص مساهمات القطاع الخاص. وتحول مشروع البلدية (بطريق النصر) في نهاية المطاف إلى استخدام الشركات الصغيرة والمساكن منخفضة التكاليف.

شهد الجنوب الغربي للميدان أيضا تغيرات مادية. السوق الجديدة التي خططها مكتب التصميم بالبلدية كانت جزءا من مخطط إعادة التطوير الكلي لعام 1958. للأسف لم تكن إعادة تنظيم السوق كافية لتلبية الإمكانات التجارية الهائلة للميدان. وبالتالي تضاءل حجم السوق الجديدة بين الأسواق التقليدية الكثيفة بشكل فوضوي. « سوق سوريا» الذي عُرف فيما بعد بسوق «ليبيا» تبعا للمكان الذي جاء من البضائع المهربة، يشير بشكل ساخر إلى سياسات القومية العربية بعهد «عبد الناصر». أما بالنسبة لـسوق الصرافين أو "سوق الدولار"، وهي ظاهرة ارتبطت بسياسة الانفتاح في عهد السادات، فهي الآن أيضا سوقا استهلاكية كبيرة وبارزة للملابس الرخيصة والمعدات المنزلية.

المشاعر المناهضة للمَلَكية في أوجها في بدايات عهد ناصر لم تطمس موقع «محمد علي» بالميدان. ولكن تمثال الخديوي إسماعيل تمت الإطاحة به من فوق قاعدته. كان النصب التذكاري لإسماعيل قد أقيم في نهاية «الحدائق الفرنسية» على البحر مباشرة كهدية من الجالية الإيطالية في ذكرى مُغرّب مصر المتعجل. تم تصميمه في عام 1938 بواسطة المعماري الايطالي «إرنستو ڤيرّوتشي» كبير مهندسي القصور الملكية في عهد الملك فؤاد، وربما كان مستوحى من النصب الأول لـ «ڤيكتور إيمانويل الأول» في روما. الموقع الآن تحول إلى نصب تذكاري للجندي المجهول.

جذبت المنشية أيضا اهتمام الأصوليين الإسلاميين خلال فترة حكم عبد الناصر. شرفة الاتحاد الاشتراكي، البورصة سابقا، بإطلالتها على الميدان، تم اختيارها كمكان مثالي يصلح كخشبة مسرح لخطب عبد الناصر الجماهيرية. في 26 أكتوبر 1954، شهد الموقع محاولة فاشلة لاغتيال الرئيس. وبإلقاء اللوم على جماعة «الإخوان المسلمين» شبه الرسمية، أنهت محاولة الاغتيال شهر عسل قصير بين الجماعة والنظام المدني. ورغم الملاحقة والحظر القانوني، لم يُحل تنظيم الإخوان. ورغم احتواء الأصولية الإسلامية في قبضة دولة عبد الناصر المُحكمة فقد كان لها عودة قوية في عهد السادات. بل أنها أنهت حياته بشكل مأساوي.

منذ بداية الستينيات سيطرت دولة ناصر الاشتراكية الاستبدادية على معظم الصناعات والخدمات من خلال القطاع العام البيروقراطي. تقلصت المشاريع الخاصة بشكل كبير، لدرجة أن بورصة الأوراق المالية توقفت أعمالها تقريبا. وأصبح مبنى البورصة العظيم مقرا للحزب الأوحد، «الاتحاد الوطني» ثم لاحقا «الاتحاد الاشتراكي». أحترق هذا المبنى من الداخل جزئيا خلال مظاهرات التي عرفت باسم «انتفاضة الخبز» في يناير عام 1977، حينما بدأ رفع الدعم الحكومي تدريجيا. وبعد أن دُمّر جزئيا، تم هدم المبنى في بداية الثمانينيات. وهو الآن قطعة أرض خالية تستخدم كموقف للسيارات.

المباني الدينية حول المنشية، باستثناء الكنيسة الاسكتلندية (قصفت خلال الحرب العالمية الثانية) والمعبد اليهودي (احترق بشكل جزئي أثناء المظاهرات المعادية لإسرائيل في أعقاب العدوان الثلاثي عام 1956) لا تزال تعمل بتحفظ لعدد محدود نسبيا من المصلين. لقد ولت أيام التعددية والتسامح الديني عندما كانت احتفالات المسلمين المصاحبة لموكب «المحمل»، تتواكب مع موكب شواهد أضرحة الروم الأرثوذكس، تنطلق جميعها خلال شوارع المدينة وميدانها.

الإسكندرية اليوم هي مدينة اللغة الواحدة والعرق الواحد والعقيدة الواحدة، الإسلام بشكل أساسي. ما تبقى من الكوزموپوليتانية هامشي. انقرض هذا المجتمع أو هو في طريقه إلى الانقراض، وتراثه المادي في خطر.

يستمر الطابع العمراني للمنشية في التردي؛ تدهورت المباني بسبب انعدام الصيانة، وهو انعكاس آخر للقرارات الاشتراكية الخاصة بتخفيض الإيجارات والتحكم فيها. البيئة المبنية تهددها التعديلات غير المدروسة والإضافات غير الملائمة للطرز الأصلية. الازدحام ساحق في كل من البيئة المبنية والبيئة الحضرية بشكل عام. الضغط السكاني في حقبة ما بعد الاشتراكية، جنبا إلى جنب مع نقص المساكن، أدى إلى تقسيم المساحات في المباني القائمة. الزحام في الفراغ العام وفي المساكن، بما في ذلك ظاهرة سكان أسطح العمارات حول الميدان، هي النتائج المباشرة لأزمة الإسكان والفقر. الفوضى المرورية ووجود الباعة الجائلين الذين يحتلون كل شبر متاح من الأرصفة المحطمة هي نتيجة، على الأقل جزئيا، لسوء الإدارة وتراجع دور الدولة في الحفاظ على البيئة المبنية وتنظيم الفراغ العمراني.

سوء الإدارة الاقتصادية للميدان يظهر جليا مع بناء برج «قصر القطن» الضخم ذي الأربعة عشر دورا في منتصف الثمانينات، والذي صممه المكتب الإيطالي «ڤولاني أرشيتِتورا». وفي الوقت الذي يزيد فيه هذا البرج من فوضى الميدان وشكل المدينة، فلا يزال معظمه شاغرا بسبب تكلفة بنائه الباهظة وموقعه السيء؛ فقط ثلاثة من طوابقه تشغلها حاليا جامعة «ليوپولد سِنجور» الأفروفرنسية.

بعد تاريخ يزيد عن قرن ونصف، فإن المنشية، مثلها مثل المدينة نفسها، تبحث عن إعادة تعريف لدورها في العصر الحديث. فما كان يوما يمثل القلب السياسي والاجتماعي والاقتصادي للإسكندرية، تم اختزاله في كونه دوار واسع للمرور يكتظ بالباعة الجائلين. إن روعة الماضي تنتظر إعادة إحياء، وربما تنتظر اسما جديدا.

The Metamorphosis of Mansheya



This article was originally published in 1996 in the bilingual 'Alexandrie en Égypte,' a special issue of the French periodical Méditerranéennes. This issue was edited by Kenneth Brown and Hannah Davis Taieb in addition to the Egyptian novelist Edwar al-Kharrat and the late Adel Abou Zahra. 

All thanks to Dr. Mohamed Awad for granting permission to republish the article and its translation in Gudran Medina Mot'aba.



The Metamorphosis of Mansheyah (1996)

Dr. Mohamed Awad

In the heart of Alexandria's European centre, is what is known as el Midan or Mansheyah - Arabic words used to identify "The Square." Over its recent history this space has also had other names: Place d'Armes, Grand-Place, Place des Consuls, Place Mohamed Ali, and now Midan El Tahrir, or "Liberation Square." These names reflect changes in socioeconomic and political conditions in Egyptian society, in general, and the society of Alexandria, in particular.
This square is the oldest urban space in the cosmopolitan city. Here cosmopolitanism began md flourished in the early 19th Century, encouraged and favoured by Egypt's progressive ruler Mohamed Ali (1805-1848) and his successors. Ironically, it was also here that the nationalist leader Gamal Abd el-Nasser on the 26th of July 1956 declared the nationalisation of the Suez Canal, thus ending a century and a half of cosmopolitanism.
During the Hellenistic period, this part of the northern promontory of Rhakotis with its indigenous quarters of the ancient city had extended up the great harbour, the Portus Magnus, west of the Caesarium and the Emporium.
The geographer Strabo described it as an area of warehouses and shipbuilders which extended as far as the Heptastadium and linked the mainland with the island of Pharos.
During the Islamic period, the area around the Heptastadium expanded as a result of silt deposited on its shores. The classical city, laying in ruins, was gradually depopulated. The inhabited area shifted outside the city walls into the area between the two ports, in what came to be known as the "Turkish Town." Activities such as fishing and boat-making moved towards the north-west of the harbour, while the central area of the Turkish town west of Mansheyah developed into a commercial area with souks and bazaars, whose names were often identified with the sale of their goods: e.g. souk El-Attarine and souk el-Samak; or by the professions: e.g. souk El-Tabbakhine; or by ethnicity: e.g. souk El-Turk or souk El-Magharba. The wakalas were common multi-use structures which included mosque, school, habitat and commerce. Indeed, wakala Terbana (1685) and wakala Chourbagui (1757) still stand among the city's Islamic monuments.
When the Bonaparte expedition disembarked in Alexandria in 1798, the area now occupied now by Mansheyah was an open field. In the famous Description de l'Egypte described the north-western sea front as occupied by Muslim cemeteries - probably referring to the area of the agglomeration of mosques established by pious Maghrebis around the mosque of Abu l-'Abbas Al-Mursi  in about 1767.
The military maps of the disembarkment mark an undefined space as Esplanade. The same space appears in Henry Salt's map of 1806, as does the house of the British consul positioned on the north-west, directly on the sea. In 1814, the site is described by the British traveller Bramsen: "The large square near the sea is spacious; it has been improved and covered with gravel by the Europeans who came here to breathe the sea breezes." This conforms to Captain W. H. Smith's map of 1833 indicating the space as parade gravé. A year later, Place d'Armes appears in Le Saliner de Veuhello's map, still incomplete, yet beginning to take shape with the French Consulate located in a central position. While Mohamed Ali was engaged in campaigns, Alexandria served as a garrison town, a military and naval base for the Egyptian army and fleet, and the square was probably a parade ground. Captain Smyth's revised map of 1842 records the removal of the old gate of the saracenic wall for the new extensions of the Frank quarter, while the docks still line its northern sector. The elongated rectangular square is more defined in Lt. Colonel Napiers map of 1841-1846; on its eastern end is the Tossiza palace. The fully developed square appears complete in Charles Muller's map of 1855.
Alexandria prior to 1834 had been shaped by Turkish influences. The town had been mostly built through the traditional guild system by master masons and craftsmen. Building regulations conformed to Islamic law and traditional practices. The architecture began to be influenced by European models when Egypt's ruler sought to affirm an independent political status and to develop a modern state. This occurred while the country's economy was gradually being absorbed in the world-economic system as a major producer and exporter of cotton. Egypt's ties with Europe were fostered by the resident foreign consuls, who also acted as commercial agents. Alexandria's European quarter extended from rue Franque (presently rue de France) into the new square; its immigrants came mostly from the southern European Mediterranean countries and the Levant. Their position was made favourable by the Capitulations, a system of special privileges granted to European in Ottoman province, exempting them from taxation and trial by sharia law.
The modernization of the urban built environment implied the adaptation of European building standards and planning techniques. The traditional Turkish town and the densely-populated shanty towns posed problems such as difficulty of circulation and the repeated spread of epidemics. Mohamed Ali recruited foreign consultants who adapted new European building standards and town planning models. In 1834, according to de Cerisy, the French engineer in charge of building the arsenal, "the system of buildings is comparable to that anywhere in the world. We already possess buildings that would be considered magnificent even in Paris."
For the accommodation of his navy personnel, Mohamed Ali adapted a district-city plan in which each house had two stories to accommodate two families; at the centre of the district was a location for a mosque. Four years later, Mongel, who had to come to build the naval-basins of Radoub, proposed to the Vice-Roy a Moorish style city plan for the local inhabitants "planned with squares and gardens with fountains, to combat dirt, humidity and provide better aeration in the city." These proposals were to become realities with the creation of Majlis El Ornato in 1834, the first planning commission in the city, and, indeed, in the whole of Egypt. The Ornato, inspired probably by similar commissions in Italian cities like Milan and Venice in 1807, was part of the health department, the Intendence Sanitaire: it was presided by the Italian Colucci Bey. While headed by the consul Michael Tossiza, an old time friend and confidant of the Wali Mohamed Ali, the Ornato's technical direction was confided to the Italian engineer Francisco Mancini. Among the many responsibilities of the commission apart from the alignment of the streets, monitoring of construction and designing public buildings such as schools, hospitals, etc., was the creation of the new European Centre or Frank quarter around the Grand Place. This took place under the direction of the Wali's son Ibrahim Pasha, who owned most of its land and buildings.
Ali Pasha Mubarak in his famous account of the 19th century Egypt, describes the area of Mansheyah as partly open vacant land, used by Bedouins as a sheep market and for the sale of their goods, such as wool, dates, etc. It was known as Kom El Hallah. The few houses there were expropriated and their owners compensated. The first building in the area reportedly was the mosque of Cheikh Ibrahim (1820), the second was Wakalet Moharem Bey, named after the admiral of the Egyptian fleet and Mohamed Ali's son-in-low. These were followed by the residences of D'Anastasi and Gibra, the latter being then bought by the Wali. The meat and vegetable markets originally known as "Camel Lane" or Harrat were lands offered by the Wali to the princes who eventually developed them. These initiatives clearly demonstrate the extend of power, wealth and involvement of the autocrat leader and the vice-regal family in promoting the Westernisation of the built environment.
The new Place des Consuls was designed by Mancini who, it is said, designed most of its buildings. The square, 420m long and its 65m wide, was surrounded with buildings. The rectangular residential blocks, three or four stories high seemed similar to the blocks concept applied in Italian cities such as the port of Trieste in the mid-18th century Austro-Hungarian Empire. Alexandria was on the verge of becoming the major port of Mohamed Ali's new Empire.
The buildings had an Italian-oriental aspect. In the manner prevalent in the Levant and the Eastern Mediterranean cities, they were painted yellow and pink with pastiche decorative mouldings applied to their facades, European fenestration with Venetian shutters.
The square initially had a short new Alabaster obelisk located at its centre. This aroused much sarcasm in a country where authentic obelisks are in abundance. It also had a fountain at one end.
In 1857 Barthelemy Saint Hilaire noted that "Alexandria is a half-European city, whose Grand Place is equivalent to those of the principal cities of France." Other observers of the period differed, for example, Poitou, who in 1859 described the nude square "with not one tree to warm its cold regularity." The hybrid character of the square is described by Theophile Gautier: "Despite the imperfect European forms, we still may feel we are in Africa." Lottin de Laval, however, affirms that the city had lost its picturesque oriental physiognomies, but he praises the local gains due to Mohamed Ali's reform programs and innovation.
Early wealth on the Place Des Consuls is attached to new Greek fortunes, and to friends and close business associates of the Wali. The palace of M. Tossiza (the Greek Consul) designed by Mancini stood majestically on the prime eastern location of the square. Another was the elegant Palais of Count Zizinia, Belgium's acting Consul. The place was dominated by commercial and business activities: numerous large wakalas, such as Gibra, D' Anastasi, and Neuve, had ground floors reserved for all kinds of commercial enterprises and public services. Murray's Guide mentions David Robertson and Co. Booksellers, Rocheman Jewellers, Boret the hairdresser, photographers such as Fiorillo and general outfitters like Cordier. There were also numerous cafés, restaurants and hotels. Prince Omar Tousoun in his memoirs of "Alexandrie en 1868," noted the most glamorous Le Café de France N°27 and the reputed Hotel d' Europe which even had a hammam (admission 2 Fr). Other business located on the square included insurance companies such as Peel & Co., the Lebon Gas Co., the Italian postal services and banks such as the Anglo-Egyptian Bank. The upper floors were usually reserved for residential and office use.
The most noted building on the square was the French Consulate, which included the French postal service. Its gardens were open to the public on weekends and for special occasions, as were those of the Anglican church of Saint Mark, the only religious building privileged with a location on the square. Its land was donated by Mohamed Ali in 1839; he had made similar gestures to other religious congregations encouraging them to build impressive edifices. Grouped near the place were the Scottish church, the German and French Protestants, the Roman Catholic, the Greek Orthodox, the Maronite and Armenian Churches, while the Muslims were grouped around the area of the El Cheikh Ibrahim mosque. The presence of the Coptic and Jewish places of worship in proximity to historical sites affirms the multi-ethnic composition of the nascent cosmopolitan city.
The church of St. Mark was designed around 1841-42 by the visiting British architect James William Wild. It took over 9 years to complete (1845-54), probably due to lack of funds. Its plan was modeled on the Basilican tradition and its facades demonstrated Byzantine, Islamic and Judaic influences. Wild's concept was eclectically orientalised, in keeping with its time and place.
There were limited developments in terms of building activity in the Mansheyah area during the post-Mohamed Ali era, although Abbas I transformed an old fountain into a large building named after his son El Hamieyah. This building was sold after his death to the Greek Sir John Antoniadis, reportedly at a price of 50,000 L.E. In 1866 the stock exchange, La Bourse, was created with an initial capital of 24,000 L.E. The Tossiza Palace was used to house the new stock exchange, the offices of the Intendence Sanitaire and the Ornato. It also included the International Club and a public library containing about 8,000 volumes.
The Bourse in its hey days.
Khedive lsmail's "Haussmann-isation" scheme for Cairo hardly touched the already Westernised Alexandria, except for the embellishment of the Place - now known as Place Mohamed Ali, after the erection of the equestrian statue of the city's modern founder. The statue, designed by the French sculptor Jacquemart, was first exposed at the Universal Exposition of 1868. Its base of white carrara marble was designed by the French architect Ambroise Baudry (1871-1873). The erection of the statue at an extravagant cost of 2 million francs did not go down smoothly, despite the Khedive's absolute authority and rule. This was the first time that an equestrian statue had been placed in a public square of a Muslim country. Religious scholars rejected the idea, at least for some time, on the grounds that Islamic traditions oppose human figuration. The statue was put in its place only after the intervention of the enlightened Islamic theologian Sheikh Mohamed Abdou, a long-time friend and companion of the Khedive.
[It should be noted here that by the time the statue of Mohamed Ali was erected in the square, Sheikh Mohamed Abdou was still a 20-years-old student in Al-Azhar. Abdou was appointed Mufti of Egypt by Khedive Abbas Hilmi II in 1899, almost thirty years after the erection of the statue. Abdou held this position for a period of six years, during which he issued a fatwa approving the erection of human statues – The editor of Gudran Medina Mot'aba]
Statue of Mohamed Ali, Al-Mansheyah
The era of Khedive Ismail is noted by the concessions granted to foreign service companies. The Lebon Company had introduced gas to the city, and the Place Mohamed Ali, now brightly lit at night, was in full glamour. The Cordier firm, responsible for water treatment and piping, was commissioned to plant the Place with four rows of acacia trees; a band-stand and a fountain were also added to complement its symmetrical landscape.
The troubled finances of the Egyptian treasury in the 1870s led to political and social unrest. The abdication of Khedive Ismail and the Orabi revolt culminated in anti-European riots and the tragic Alexandria massacres of June 1882 in which thousands of Egyptians and tens of Europeans were killed or wounded. The Place Mohamed Ali and its adjacent areas were the scenes of these events, which served as a pretext for the British bombardment of the city and the occupation which followed. The European quarters, including the Place Mohamed Ali, were targeted and devastated by the bombardment of 11 July 1882 and the subsequent looting and burning. Of the destroyed square, only two buildings survived, namely the stock exchange and St. Mark's church. The destruction covered a total surface of 96,709 square meters, including approximately 500 apartments in the centre of the city and a handful of villas in rue Moharem Bey.
A military tribunal was set up in front of the Tossiza Palace and speedy judgements were passed. Mansheyah was the scene of public executions and served as a graveyard for those put to death.
Following the bombardment, the Egyptian government compensated owners for the loss of their property. The amount reached 4.5 million pounds and covered 4,080 claims. There was a burst of prosperity due to the flow of such capital, and the city was quickly rebuilt.
The rapid post-1882 development was primarily a result of these compensations. Expansion in trade and a rise in the price of cotton contributed to the stabilisation of wealth among a Franco-Levantine comprador bourgeoisie composed of merchants, financiers, and land owners. The building boom between 1882 and 1914, briefly interrupted during the speculative crisis of 1906-1907 occurred in a climate of political stability, sustained economic growth and administrative reorganization.
The emerging small power group of notables, which probably never exceeded 1,000 individuals, controlled most financial activity in the city. Family names such as Aghion, Menasce, Sursock, Karam, Bustros, Suares, Rolo and Boghos Nubar, and those of a second generation of Greek fortunes – Zervoudaki, Raly, Salvago, Benaki, Choremi - appear repeatedly on the boards of banks, insurance companies, public service companies and social clubs.
These agents and bankers who had become real estate promoters were also the main shareholders of development companies which were responsible for developing a great part of Mansheyah, rue Sherif Pasha and buildings on rue Rosette.
Another essential role played by this small group, in addition to their activities in speculative development, was their creation of the autonomous Municipality of Alexandria in 1890. They sat on its Mixed Council and thus controlled the city's fate. This gave them the opportunity to further promote the European character of the city.
The post-1882 rebuilding of Place Mohamed Ali was marked by a dominant Italian influence. Among the most important buildings of the period was the grand Okale Passage Menasce (1885-1887), developed on a plot of land of approximately 15 hectares. This land, originally bought by the Baron Bohr Levi de Menasce, had been developed by the Société Anonyme des Immeubles d'Egypte (founded by the Karams, Aghion, Menasce and Suares). The Okale was then built by the Greek contractor G. Zuro according to the plans of the Italian architect Antoine Lassiac. Milanese galeria influences re-appear in the Okale Monferato by Luigi Piattoli. These commercial redevelopments together with the Primi Building designed by A. Lassiac, the main Branch of the Imperial Ottoman Bank designed by Prosper Remy, and the Bourse is the renovated Tossiza Palace, insured the continuity and future of business and commercial activity in the redeveloped urban space. Another 19th century landmark on the square was the seat of the new Mixed Tribunals designed by Alfonso Manescalco in 1886.
This late 19th century "Belle Époque" architecture is conservatively eclectic; the revivalist pro-Renaissance forms and decorations appear more formal than the freer eclecticism of the early 20th century, especially in regard to the application of pastiche in decorative mouldings. This block development creates the trend that affects the entire city centre.
The Europeanization of urban morphology was furthered with the opening out of the square to link it with the new quay development (1905); this created a new urban space - La Place des Jardins Français (1909). The Europeanized revivalist trends remain dominant despite the presence of Neo-Islamic architecture in Prince Ibrahim's palace, a weak reminder of the dual morphology of the cosmopolitan city.
The square in the glamour of its Belle Époque.
A "de-gentrification" of the square began after 1882 when the elite moved their residences towards rue Rosette (Aghion, Sursock, Pini), or into the Quartier Grec (Benaki and Salvago) or Moharem Bey (Menasce, Green, and Adah). Others moved to suburban Ramleh (the Karams, Binder Nagel, Zervoudachi and Laurens). Business, including banks, took premises in the adjacent areas of Mansheyah where a new city centre was expanding round Sherif Pasha, Sesostris and Talaat Harb streets. Yet Mansheyah, because of the presence of the Stock exchange retained its importance.
The dawn of the 20th century saw few changes in Mansheyah. The important exception was the construction of the electric tramways (1897-1904). The neighboring Place des Jardins Français was enhanced by the elegant new French consulate built in 1909, designed by the French Bureau of Public Works, its construction monitored by the Alexandria-based French architect Victor Erlanger. In 1912 Erlanger also designed two blocks of residential flats for the Alexandria Central Co. on the corner of Adib and Sherif Pasha Streets near to the Bourse. French influences seem to have also inspired the graceful Wakf Yakoub Dahan (1910), designed by H. Gora Bey of the Ecole Centrale-Paris, which complemented the French garden landscape.
This French influence continued in the Post World War I period. The economic prosperity of Egyptian affairs, due to the increase in the price of cotton, enriched the city's merchants. G. Cordahi known as "Le Roi de la Bourse," was among the wealthy represented on the square. In 1926, he financed the construction of a very impressive building designed by the French architects A. Dressi, L. Oudin and R. Lecard. Its architectural style was eclectically conservative, but distinguished by two features: high articulation in form and the presence of red bricks on its façades. This contrasted sharply with the mono-chrome, plain façades of the other buildings on the square.
During the 1930s and 1940s the square was redeveloped, unfortunately leading to the replacement of some of the old and elegant structures such as the Primi Building. These developers were insurance companies, e.g. Misr Insurance, and industrialists such Cozzika, whose building was designed by the modernists M. Flori and C. Giorgiadis. The heights of the new building in the early modern style sharply contrasted with the established order and style of the square.
Modernist trends continued after the 1952 revolution. The 19th century housing district south of the square was cleared to make way for the El Nasr road in 1958, thereby linking the port to what was now known as Midan El Tahrir - "Liberation Square." Along El Nasr road the Municipality developed a new comprehensive scheme to complete Egyptianisation. Uniform apartment blocks designed by an Egyptian architect, Mahmoud El Hakim, a graduate of Liverpool University, were meant to house businesses, especially those related to port activity. But the timing was wrong. Although the Free Officers of the Revolution took a personal interest in it, the project's development goals did not coincide with socio-economic and political realities at that time.
Anti-western sentiment, nationalization and eventually the mass exodus of Europeans from the country were followed by the sequestration of Egyptian property belonging to the elite. This led to a reduction of business and a diminution in the contributions of the private sector. The Municipality's project was eventually transformed for the use of small businesses and low cost housing.
The area south west of the square also witnessed physical changes. A new market place planned by the Municipality's design office was part of the 1958 overall redevelopment scheme. The reorganization of the market unfortunately was not sufficient to meet the enormous commercial potential of the square. Thus, the new market is dwarfed within the chaotic, disorderly and traditionally dense markets. Souk Syria, subsequently know as Souk Libya - depending on where the contraband came from - makes ironic allusion to the Pan-Arabism of the Nasser period. As for the "dollar market" for money changers, a phenomenon of Sadat's open-door policy, it is now also a large conspicuous consumer market for cheap clothing and household equipment.
Anti-royalist sentiment, at its height during the early Nasser period, did not efface Mohamed Ali's position on the square. But Khedive Ismail's statue was toppled from its pedestal. The monument had been erected at the end of the French Gardens directly on the sea as a gift of the Italian community in memory of Egypt's impatient Westernizer. It was designed in 1938 by the Italian architect Ernesto Verrucci, chief architect of the Royal palaces during the reign of King Fouad, and was probably inspired by the Victor Emmanuel I monument in Rome. The site is now given over to a contemporary sculpture, a monument to the Unknown Soldier.
Mansheyah also attracted the attention of Islamic fundamentalists during the Nasser period. The balcony of the Socialist Union, the former Bourse, overlooking the square, was chosen as the perfect spot for the Mise-en-scène of Nasser's speeches to the masses. On the 26th of October 1954, it was the site of an unsuccessful attempt on the President's life. Blamed on the semi-official Muslim Brotherhood, the attempted assassination ended a short honeymoon between the Muslim Brotherhood and the secularist regime. The Muslim Brothers organization, however persecuted and legally banned, was not dissolved. Islamic fundamentalism, though contained during Nasser's tightly controlled state, was to make a vigorous resurgence during the Sadat era. Indeed it brought his own life to a tragic end.
Since the early 60s Nasser's autocratic socialist state controlled most industry and services through its bureaucratic public sector. Private enterprise shrunk significantly, to the extent that the stock-exchange came to a virtual standstill. The great edifice of the Bourse had become the premises of the single party National, and later Socialist, Union. Its interior was partly burned during the Bread Riots in January 1977, when government subsidies began to be gradually lifted. Partially destroyed, the building was demolished in the early 1980s. It is now an empty lot serving as a car park.
The religious buildings around Mansheyah, with the exception of the Scottish church (bombed during World War II) and the Jewish Synagogue (partly burned down during anti-Semitic riots following the Triple Aggression of 1956), still operate discretely for a relatively limited number of worshipers. Gone are the days of pluralism and religious tolerance, when Muslim celebrations accompanying the procession of El Mahmal, the Holy Carpet's voyage to Mecca, took place along with the Greek Orthodox procession of the Epitaph, proceeding through the city streets and its square.
Alexandria today is a monoglot city, one race, one creed, and fundamentally Islamic. The survivors of cosmopolitanism are marginal. That society is extinct, or on its way to extinction, and its physical heritage is in danger.
The urban character of Mansheyah continues to degenerate; the degradation of its buildings is due to a lack of maintenance, another repercussion of the socialist measures of rent devaluation and control. Its built environment is menaced by ill-conceived remodellings and additions inappropriate to its original styles. Overcrowding is overwhelming in both the built environment and the overall urban environment. Demographic pressure in the post-Socialist era, combined with housing shortages, have brought about a subdivision of floor space in the existing buildings. Overcrowding in public space and in residences, including the phenomena of roof-top dwellers in the square, are direct consequences of the housing crisis and of poverty. Traffic chaos and the presence of street vendors occupying every available inch of broken pavement are, at least in part, a consequence of mismanagement and the decline of the State's role in the conservation of the built environment and the organisation of urban space.
The economic mismanagement of the square is well-illustrated by the construction of the fourteen-story monolith block of the Cotton Tower in the mid-eighties, designed by the Italian firm Volani Archittectura. While increasing the disorder of the square and the cityscape, it remains because of its exorbitant costs and bad location mostly vacant; only three of its floors are presently occupied by the Afro-French Leopold Senghor University.
After over a century and a half of history, Mansheyah, like the city itself, is searching to redefine its role in the modern era. Once the political, social and economic hub of Alexandria, it has been reduced to a vast traffic roundabout, congested by street vendors. The past splendour awaits its re-genesis, and perhaps a new name.

سنوات في المنار

إهداء إلى كل أصدقاء المنار الأعزاء.

برفق تضم قبضته كفي الصغيرة. لفترة لا أستطيع الآن أن أحددها، كان أبي يسير بي كل صباح، نعبر ميدان المنشية، ثم نسير في شارع «سعد زغلول». يحمل هو حقيبة المدرسة مرة، وأنا مرة. تصطف العمارات العريقة على جانبي الشارع المنحني، كلما تقدمنا للأمام يلوح بناءٌ جديد. ولأننا نسير في الصباح الباكر، لا تزال كل المحال مغلقة. ندلف إلى شارع «صفية زغلول»، فينقذني دفء قبضته من برودة نسائم الصباح. ثم نسير سويا في أزقة هادئة كنت أميزها من روائحها قبل أشكال مبانيها. دقائق قليلة ثم نقترب من المدرسة..

*
مدرستي. في الأصل كانت مدرستين على رقعة أرض واحدة أنشأتهما الجالية الاسكتلندية في الإسكندرية، إحداهما للبنات (مدرسة الفتيات الاسكتلنديات) والأخرى للبنين (مدرسة كنيسة سانت أندروز للبنين). يفصل بين المدرستين وملاعبهما سور.

رحلت الجالية الاسكتلندية ضمن من رحلوا بعد يوليو 1952، فأصبحت المدرستان مدرسة واحدة. وأصبح اسمها «المنار». وأصبحت «المنار» مدرستي.


مبنى المدرسة الرئيسي (1) هو مبنى «مدرسة البنات الاسكتلنديات» Scottish Girls' School، المبنى الوحيد الذي تبقى من المدرستين الأصليتين. ندلف إليه عبر بوابة المدرسة الرئيسية من شارع «أمين فكري» أحيانا، وأحيانا ندخل من البوابات الجديدة الأخرى. درست فيه في سنوات متفرقة في المرحلتين الابتدائية والإعدادية. عبر السنوات أضيف إلي المبنى الكثير، فتغيرت ملامحه، لكنه لا يزال بالنسبة لي الآن همزة الوصل بين الواقع وبين صورة المدرسة الخافتة في الذاكرة.


بداية عهدي بالمدرسة كانت في فصول الحضانة التي بنيت على أرض كان يشغلها ملعب كرة السلة بمدرسة البنات (2). هنا كانت تلك اللحظة الحاسمة التي يتركك فيها الأب والأم، لأول مرة، وحدك لتواجه العالم وتتعرف على الآخرين وتتعلم دون مساعدة منهما. هنا أول الأصدقاء، وأول الأعداء أيضا. هنا عربة بائع الدوم الجنوبي تقف أمام الباب في انتظار الزبائن الصغار. نشتري، ونأكل ثمرة الدوم القاسية بأسناننا اللبنية، ثم نلعب الكرة بقلب الثمرة الصَلب. في الخريطة علامة تجاورها كلمة "فسقية" عند مكان نافورة صغيرة من الرخام الأبيض لعبنا حولها (وفوقها) كثيرا. هي لاتزال هناك.

في المبنى القديم (3) كانت معظم سنوات "الابتدائي". في الأصل كان مبنى مدرسة البنين الاسكتلندية والتي كانت تحت إشراف الكنيسة الاسكتلندية «سانت أندروز» التي كانت تطل على ميدان المنشية. لم يعد هذا المبنى موجودا. حسنا، كيف أصف لك لوعة طفل ذهب إلى المدرسة فلم يجد المبنى الذي جمعه بأصحابه لسنوات؟ لقد هدموا المبنى في إجازة صيف بعد أن تهالكت درجات سلمه الخشبي تحت وطأة أقدام مئات التلاميذ يوميا. خافوا أن ينهار السلم بنا، فهدموا المبنى بأكمله! كان لأحد الفصول شرفة خشبية تطل على الفناء، ومع نهاية كل سنة كنت أحلم أن يكون هذا الفصل فصلي في العام القادم، ولم يحدث.

وليكون بديلا للمبنى المهدوم، بَنَت إدارة المدرسة مبنى آخر جديد في عجالة (4)، كنا أول من استخدم فصوله، ومنه أدركت الفارق الكبير بين أن تتعلم في مبنى مصمم بعناية، حتى ولو قديما متهالكا، وبين أن تتعلم في مبنى جديد لكنه سيء التصميم والتنفيذ لا يراعي عقلا أو روحا.

في ملعب كرة السلة (5) كانت حصة الألعاب الرسمية، ومباريات الكرة غير الرسمية. لماذا كانت أرضيته من الأسفلت؟ كم عدد البنطلونات التي تمزقت ركبتها على أرض هذا الملعب العجيب؟ اختفى هذا الملعب بعد أن تركْت المدرسة وتحولت مساحته إلى مبنى آخر أشد قبحا.

في الفناء الكبير (6) كانت طقوس الصباح اليومية: الطابور، الإذاعة المدرسة، وتحية العلم. هنا كانت وجوه الزميلات والزملاء المحببة في كل صباح لا تزال تنفض آخر آثار النوم، والزي المدرسي يجمع كبيرهم وصغيرهم. هنا كانت الفُسحة، وكانت الاحتفالات والمطاردات والاستغمايات والمشاجرات ومباريات كرة القدم. هنا "الكانتين" الذي يبتلع قروشنا القليلة رغم ما يقدمه من أصناف محدودة. هنا كانت الشجرة القديمة (7)، ومباريات تسلق أغصانها التي لا تتوقفهنا مرت السنوات سريعا، بحلوها ومرّها، لكنها في النهاية تركت ندى مشاعر الطفولة وخربشات مشاعر المراهقة في القلب.

*
مرت السنوات، وأصبحت أنا من أضم كف أختي الصغير بكفي يوميا في رحلتنا من وإلى المدرسة، وسنوات أخرى، واستقَل كل منا بعدها بنفسه وحقيبته.

في رحلة العودة، نسير سويا إلى «محطة الرمل» لنستقل منها الترام عصر كل يوم. تتسارع خطانا رغما عنا مع انحدار الشارع، فنضحك، وتتأرجح شرائط ضفائرها. نمر بجوار سينما «راديو» ثم سينما «فريال»، ومن بعيد أرى أفيشات سينما «ستراند» أيضا. ننتظر الترام الصفراء. سنستقلها محطة واحدة أو محطتين، وفقا لرقم الخط. على مرمى البصر يلوح تمثال «سعد زغلول» راسخا فوق قاعدته الشاهقة شاخصا نحو البحر.

انتظارنا اليومي تحت مظلات المحطة كان فرصة لابد من استثمارها. فرصة للثرثرة والضحك أنا وأختي، أو نحن مع الأصدقاء المنتظرين أيضا للترام الصفراء أو الزرقاء. أو فرصة لبعض حبات الفشار من البائع تحت المظلة الرئيسية. والأهم بالنسبة لي، كانت فرصة الاطلاع على أغلفة المجلات والكتب الجديدة، وتصفح صفحاتها إذا سمح البائع العجوز بذلك. غالبا ما كان الرجل يتركني أتصفح كما أشاء، فهو عليم بطبع زبونه الصغير، سيشتري حتما لو كانت لديه قروش قليلة متبقية بعد يومه الطويل في المدرسة.

عن فن المجال العام وفن المصالح الخاصة

إذن نحن في عهد جديد. وبعد التغيير الوزاري الذي أُجري منذ أيام، يقترب موعد حركة السادة المحافظين. أصحاب المعالي يترقبون ويتحركون. ولا بأس من تحركات أخيرة سريعة تخطف الأنظار.

"مشروع تطوير" جديد في الإسكندرية انتهى في أيام معدودات. مجموعة من المنحوتات والنوافير أقيمت على ثلاثة جزر متفرقة في نهر الشارع في قلب «محطة الرمل»، على مرمى البصر من تمثال سعد زغلول الشهير. اقترِب، وستخبرك اللوحة التذكارية بكل شيء: 
عدسة: عمرو علي
لماذا، حقا، تقام مثل هذه المشروعات؟ بداية، إن هذه النوعية من المشروعات يعود الفضل في استحداثها إلى المحافظ السابق/ اللواء (أيضا) عبد السلام المحجوب، وهي تتضمن أن تقيم المحافظة مشروعات شكلية في مناطق بارزة من المدينة لا تمثل حلولا لمشكلات الناس المزمنة بأي حال من الأحوال، مثل إقامة بعض المنحوتات أو النوافير أو إعادة طلاء بعض الأبنية أو مظلات محطات الترام بدون أن تدفع المحافظة نفسها مليما، بينما تتحمل تكاليف التنفيذ إحدى الشركات الخاصة بالمدينة، وبالأخص شركات المقاولات. حسنا، هل ستفعل هذه الشركات ذلك من منطلق الوطنية مثلا أوتقديم الخدمات للمجتمع وبلا مقابل؟ طبعا لا. بعض الشركات اكتفت بفرصة شِبه مجانية للدعاية، بأن تضع اسمها التجاري بشكل فج وبمواد بناء دائمة على الجداريات والنوافير والتماثيل. إنها دعاية أبدية لا تُزال وبمقابل مادي لا يذكر إن قورن بأسعار لافتات الدعاية المتغيرة. ثم أتى المقابل الأكبر أيضا في عهد اللواء المحجوب بموافقته الغريبة على إضافة أدوار استثنائية لما تقوم هذه الشركات الخاصة ببنائه من عمارات سكنية. وعندئذ بدأ السباق المحموم بين هذه الشركات. انهمك الجميع في أعمال كان بعضها في البداية يبدو معقولا، قبل أن يتحول الأمر إلى "سبوبة" هستيرية رخيصة.. أي شيء ملون في أي زاوية من زوايا المدينة، أو أي مظلة لمحطة ترام. أي شيء، وبأقصى سرعة.

وابتكر شركاء هذه "السبوبة" مصطلحا جديدا لن تجده في أدبيات أو قواميس العمارة أو التصميم العمراني في أي مكان في العالم، وهو مصطلح "تجميل المدينة"، بل وأُنشئ في عهد المحجوب جهاز خاص لأعمال "التجميل". المتخصصون في الشرق والغرب دائما يتحدثون ويبحثون في مجالات "الارتقاء العمراني" أو "إعادة الاستخدام" أو "التنمية المستدامة" أو"رفع كفاءة الخدمات والبِنَى التحتية" وغيرها الكثير، بينما نحن نرفع شعار "التجميل". المصطلح نفسه يحمل ما يكفي من دلالات، فأنت لا تعالج أمراضا استشرت في جسد المدينة، بل تنفق فقط على إضافة بعض المساحيق التجميلية الرخيصة لتختبئ وراءها الأعراض، ويبدو كل شئ على ما يرام، حتى تمر فترة المحافظ على خير.

أنفقت بالفعل أموال ضخمة على هذا النوع من المشروعات في فترة قصيرة جدا. ولما لا والمعادلة بسيطة: ضع أي عمل "تجميلي" في أحد شوارع المدينة، استعن في ذلك بالأرخص دائما، سواء من البشر أو الحجر، بحيث لا تتجاوز تكلفته عشرات الآلاف من الجنيهات، واحصل في المقابل على استثناء ببناء أدوار مخالفة للقانون تجني من ورائها الملايين. ولذلك لابد من التأكيد على أن الفضل الأول في فكرة بناء أدوار إضافية بالمخالفة الصريحة للقانون يرجع بلا شك إلى عهد السيد اللواء المحافظ عبد السلام المحجوب الذي خرق القانون بنفسه وبمنتهي البساطة وسط تصفيق الجميع "لإنجازاته"، وفتح بذلك أبواب الجحيم العمراني الذي يوشك الآن أن يقضي تماما على جودة الحياة في المدينة.

جاء المشروع المسمى بـ«مشروع تطوير ميادين محطة الرمل» كنموذج مثالي على هذه النوعية من المشاريع الشكلية. تصميم سيء لا ينتمي لأفكار فنون المجال العام (أو الفن العام public art) بمفاهيمه المعاصرة بأي صلة. ففن المجال العام فن هدفه الناس، يداعب خيالهم وذاكرتهم ويخاطب قيمهم بكل الأشكال والوسائط الممكنة، يهتم من يقيمونه بالمتلقي أولا، كيف يقرأ العمل الفني وكيف يتفاعل معه بشكل إيجابي. أما العمل الذي نتحدث عنه هنا فليس موجه للناس بأي حال من الأحوال. أي متلقي وأي فن؟ إنه عمل دعائي مُتنكِر، يحقق من خلاله أصحاب الشأن مصالح شخصية ضيقة، لا حساب فيها لرجل الشارع واحتياجاته وتطلعاته أو لجودة العمل الفني. 

لم يأت «مشروع تطوير ميادين محطة الرمل» بأي جديد، بل تكرار ممجوج لفكرة الاحتفاء ببعض الشخصيات السكندرية التاريخة. وضعت لهذه الشخصيات تماثيل وجهية ونصفية ذات لون ذهبي فج بلا طراز أو مدرسة نحتية تجمعها، وبلا أي منطق أو ترتيب مفهوم، بين عدد من الأعمدة الكلاسيكية القزمية في تصميم مثير للشفقة لا يحمل أي خيال أو ابتكار. التماثيل صنعت في عجالة وبدا بعضها كتمارين أسبوعية لطلبة السنوات الأولى بقسم النحت بكلية الفنون الجميلة، وبشكل لا يليق لا بمقام الشخصيات التاريخية المُحتفَى بها ولا بقيمة منطقة محطة الرمل التي تحمل بين جنباتها طبقات عدة من تاريخ الإسكندرية. هل تصادف أن رأى من أقاموا هذه المنحوتات أعمالا خالدة أخرى بالإسكندرية قام بنحتها عمالقة مثل الفرنسي چاكومار (تمثال محمد علي باشا، 1873) أو الإيطالي بييترو كانونيكا (تمثال اسماعيل باشا، 1936) أو المصريان محمود مختار (تمثال سعد زغلول، 1932) وفتحي محمود (تمثال أسطورة أوروبا، 1968)؟ وبعيدا عن الأفكار المستهلكة والخيال الفقير، جاء تنفيذ المشروع أيضا بنفس درجة الركاكة سواء من حيث اختيار مواد البناء والتشطيب أو حتى نوعية النجيل الأخضر المستخدم.
عدسة: عمرو علي
الآن دعنا نتساءل عن المقابل: لماذ تقوم شركة «ستانلي» بإقامة هذا "المشروع"؟ هل تذكرون أولا من هي شركة «ستانلي»؟ انها الشركة التي هدمت «سينما ريالتو» بدون ترخيص في أبريل 2013، تحت دعوى "إعادة التطوير". هل تمت محاسبتهم وفق القانون؟ لا. هل تم وضعهم على قوائم سوداء باعتبارهم أحد من أساؤوا للمدينة؟ طبعا لا. في المقابل، هل رأيت الكيفية التي وضع عليها اسم الشركة محفورا في الرخام، باللونين الأسود والأحمر في أجزاء "المشروع" المختلفة؟ كم شخص سيمر ويقرأ اسم الشركة بارزا زاعقا بهذا الشكل كل يوم؟ كم ثمن هذه الدعاية بمعايير سوق الإعلان اليوم؟ والأهم، من سمح للقائمين على أمر المدينة بأن يهبوا جزءا أصيلا منها، هو في الحقيقة مكانا ومجالا عاما يملكه سكانها جميعا، لشركة مقاولات لها تاريخ من المخالفات، لتضع عليه رايتها بهذا الشكل الفج؟
  
عدسة: عمرو علي
ونريد أخيرا أن نعرف أيضا، هل ستنال الشركة أي استثناءات أخرى من قانون البناء المسكين في مقابل هذا العمل الرديء؟ ولماذا لا يعلن السيد محافظ الإسكندرية عن تفاصيل الاتفاق/الصفقة التي تم عقدها مع الشركة بشفافية حتى نعرف جميعا الثمن الحقيقي لهذه النوعية من المشروعات؟ هذا حق كل مواطن يعيش على أرض هذا الوطن. لا يصح أبدا أن نعرف الإجابة على هذا السؤال بعد أن يصبح المقابل غير المعلن أمرا واقعا: بناء آخر ومخالفة أخرى هي جرح جديد في جسد هذه المدينة المتعَبة.


كل الشكر لـعمرو علي لسماحه باستخدام لقطاته.

فوبيا الفوتوغرافيا

إهداء إلى د. نادر غريب، رفيق البحث وشريك الاكتشافات
(1)
بالصدفة كنت أحمل الكاميرا، وبالصدفة مررت بجوار هذا البيت المتهالك عند تقاطع شارعين ضيقين بحي «كامب شيزار». استوقفني للحظة. مثل هذه المباني صار هو الغريب وسط ما يحيط به من أبراج سكنية حديثة شاهقة زاعقة قبيحة. لا شك أنه الآن أقدم مبنى في هذين الشارعين. بدا كعجوز ساكن وحيد وسط عصبة من قُطّاع الطرق. هل هو مهجور؟ إلى متى سيصمد أمام الإهمال أو أمام البلدوزر؟ أخرجت الكاميرا والتقطت عدة صور من أكثر من زاوية بشكل سريع، واستدرت مكملا طريقي.
خطوتان فقط، أوقفني بعدهما فتىً لا يتجاوز السابعة عشر من عمره. اعترضني بيده بشكل مباشر وبلا مقدمات وهو يسأل بعدوانية عن سبب التصوير. أجبته بابتسامة باردة أنني مهتم بالمباني القديمة وانها  جزء من عملي، وإثباتا لحسن النوايا أخرجت له كارت شخصي يحتوي على اسمي وعملي ورقم هاتفي، وهممت باستئناف طريقي. فما كان منه إلا أن أطاح بالكارت في الهواء باستهانة قبل أن يمد يده ليوقفني بشكل أعنف لم يكن من الممكن تجاهله، فدفعته غاضبا. تطور الموقف في لحظات. حاول أن يتعدى عليّ فعاودت دفعه قبل أن يحاول بعض المارة وأولاد الحلال أن يفصلوا بيننا. وفي اللحظة التي ظننت فيها أن الأمر قد انتهى عند هذا الحد فوجئت برجل خمسيني (أدركت بعدها أنه والد الفتى) يخرج هائجا من البيت القديم نفسه بملابس البيت مندفعا نحوي وسط عاصفة من السباب مستهدفا الكاميرا نفسها هذه المرة، مما اضطرني أن أصده بقوة مدافعا عن الكاميرا، فتراجع مترنحا. فعاد الفتى ليحاول الاعتداء عليّ مرة أخرى فيما واصل الآخرون التفريق بيننا. ثم كانت ذروة الأحداث وأكثرها سيريالية حينما خرجت سيدة مُسنة (نعم، أم الفتى) من شرفة الدور الأرضي للمبنى نفسه لتقذفني بكل ما أوتيت من قوة بثلاثة قوالب متتالية من الطوب الأحمر (!) مر أحدها على بعد سنتيمترات من رأسي قبل أن يرتطم بسيارة حديثة كانت تقف بجوار الرصيف المقابل.
نجح المارة والجيران في النهاية في إبعادي عن المكان واقناع الفتى وأبيه وأمه بأن "كده غلط، ميصحش" واعتذر لي عدد منهم، وإن بدا على وجوههم شيء من اللوم، "يعني، ما انت كنت بتصور برضه". تركتهم سريعا وأكملت طريقي حانقا نحو سيارتي التي كنت قد أوقفتها بمعجزة في نهاية الشارع الضيق.
 (2)
لعل هذا الموقف هو أكثر المواقف التي تعرضت لها تطرفا أثناء تصوير أحد أبنية أو شوارع بالإسكندرية، لكنه بالتأكيد ليس حادثا استثنائيا. في جعبتي الكثير من القصص. منذ عدة سنوات شاركت في حصر المباني بقائمة التراث العمراني بمدينة الإسكندرية، وكان التصوير الفوتوغرافي جزءا أساسيا من خطوات هذا الحصر، وواجهت أنا وزملائي بسببه العديد من المواقف والمضايقات. لن أنسى حارس أحد العقارات بحي الشاطبي والذي أبرزت له كل الأوراق الرسمية التي أحملها لأستأذنه في تصوير العقار وأخبرته أنه تكليف من المحافظة، فما كان منه إلا انطلق في وصلة من أحط ألفاظ السباب للمحافظ والمحافظة وكل من يعمل لحسابها قبل أن يطردني أنا وزميلي من العقار شر طردة! ولن أستطيع أن أحصي عدد النسوة اللاتي كن ما أن يرين الكاميرا مصوبة نحو بيوتهن القديمة حتى يتعالى صراخهن وعويلهن المتبوع دائما بتجمعات آنية لأعداد غفيرة من الجيران والمارة، وكأن تصوير الأبنية التي نراها ونعيش بينها كل يوم ينتهك حرمات لا يصح الاطلاع عليها.
اسأل أي مصور مهتم بالعمارة والمدن أو أي معماري مهتم بالتصوير وسيخبرك بمواقف مشابهة تعرض لها هو أو بعض زملاؤه أثناء عمله أو أثناء دراسته الجامعية عندما تطلب الأمر القيام بالتصوير في شارع ما سواء في أحياء المدينة الراقية أو الفقيرة. كثيرا ما حُطمت كاميرات وانهالت شتائم، بل واقتيد البعض إلى أقسام الشرطة، بل ومقرات أمن الدولة، في مواقف متشابهة. 
السؤال هنا، لماذا يخاف الناس من الكاميرا بهذا الشكل؟ من المتعارف عليه أن شوارع أي مدينة، وخاصة المدن التاريخية كالإسكندرية، هي فراغات عامة مفتوحة للجميع، لأبناء المدينة ولزائريها على حد سواء، يحق لهم التقاط الصور لها وتسجيل انطباعاتهم وما أثار إعجابهم منها، طالما لم يتعارض ذلك مع خصوصية الآخرين. واليوم يلتقط الهواة من سكان المدن أو السائحين بكاميراتهم وهواتفهم  ملايين الصور لشوارع المدن وميادينها، ويتبادلونها في لحظات عبر مواقع الإنترنت وتطبيقات الهواتف المختلفة. وما يعرف اليوم باسم «فوتوغرافيا الشارع» أو Street Photography  هو مجال قائم بذاته وفن متعارف عليه وله قواعده وأخلاقياته. وهناك من يمضي السنوات متجولا بين المدن والعواصم بعدساته في محاولات لتسجيل هذه الأمكنة بأبنيتها وناسها وما يدور بها من تفاصيل يومية.
المثير أنك إن قمت بمراجعة التراث الفوتوغرافي لمدينة الإسكندرية ستجد مئات الصور التي توثق عمارة المدينة وتسجل تفاصيل حياة سكانها منذ اختراع تقنية التصوير الفوتوغرافي نفسها وحتى منتصف القرن العشرين تقريبا. إن أول صورة فوتوغرافية التقطت في إفريقيا كانت في الإسكندرية. لقطة كانت لبوابة القصر المنيف الذي بناه الوالي محمد علي باشا ليكون سكنه الرئيسي بالإسكندرية، قصر رأس التين، وكانت بتقنية قديمة وشديدة التعقيد تسمى «داجِرُوتايب» Daguerreotype. ومنذ ذلك الحين نستطيع أن نتابع التطور العمراني للإسكندرية من خلال الصور المختلقة ونرى أيضا سكانها بشرائحهم الاجتماعية وأعراقهم المختلفة في لقطات كثيرة مبهرة زادت غزارتها مع تطور تقنيات التصوير الفوتوغرافي وانتشارها. لقد عرفت الإسكندرية استوديوهات التصوير الفوتوغرافي في وقت مبكر للغاية، وكان بعض المصورين الرواد يجوبون شوارعها بعربات كانت بمثابة استوديوهات أو معامل متنقلة.
قصر محمد علي باشا برأس التين: لقطة تعود إلى نوفمبر 1839، يُعتقد أنها أول صورة التقطت في افريقيا.
(Librairie Serge Plantureux)
ولا شك أن مباني الإسكندرية وميادينها كانت مثار فخر لسكانها وإعجاب زائريها. والدليل على ذلك هو كروت البوستال (البطاقات البريدية) العديدة التي تعود إلى هذه الفترة، والتي لم تكتفي بمعالم المدينة وأبنيتها الرئيسية مثل «البورصة الملكية» و«المتحف اليوناني الروماني» والمساجد والكنائس الهامة، بل حمل بعضها صورا لأبنية أقل شهرة مثل بعض المدارس والمستشفيات، ولا تتعجب ان وجدت نسخا مختلفة لكارت بوستال يحمل صورة أحد أقسام الشرطة، مثل «كراكول العطارين» مثلا، أوقسم شرطة « باب شرقي».
كارت بوستال: كراكول (كراكون) العطارين.
بعض هذه الكروت منتشر وأعيد طبعه أكثر من مرة وبعضها نادر. وإلى اليوم لا يزال بعض جامعي الصور والوثائق القديمة يقتفي أثر هذه الكروت في مزادات ومحال الأنتيكات داخل مصر وخارجها أو عبر المتاجر الاليكترونية، ومنهم من يقتني آلافا من هذه الكروت مصنفة بشكل دقيق للغاية طبقا لتاريخها أو طبقا لدار النشر التي قامت بطباعتها. تشكل هذه الكروت البريدية ذاكرة بصرية فريدة للمدينة وثروة فوتوغرافية مهولة تراكمت عبر العقود منذ ستينيات وسبعينيات القرن التاسع عشر وحتى خمسينيات القرن العشرين..
ثم توقفت الصور، فجأة!
فجاة، توقفت كروت البوستال الجديدة عن الصدور، وخاصمت العدسات مباني المدينة العريقة وشوارعها. تأمل مثلا ميدانا متسعا وشهيرا مثل ميدان «المنشية» (ميداني «محمد علي» و«الحدائق الفرنسية» سابقا). ستجد لهذا الميدان مئات ومئات من الصور وكروت البوستال من أزمنة مختلفة ومن أماكن وزوايا متعددة. صور للميدان نفسه وصور للحياة اليومية به ترى فيها سكان المدينة المتنوعين ووسائل مواصلاتهم وترى فيها كل الأبنية المبهرة المحيطة به. وبحلول الخمسينيات، لن تجد تقريبا إلا الصور التي توثق للخطب الهامة التي ألقاها الرئيس عبد الناصر من شرفة مبنى البورصة. وهي صور معدودة لم تهتم فيها الكاميرا إلا بتصوير «الزعيم» نفسه ولافتات تأييده وجموع جماهيره الغفيرة. وبعد بضعة سنوات توقفت الصور تماما. وبسبب هذا التوقف، قد تُعد صورة لميدان «المنشية» التقطت في سبعينيات القرن العشرين مثلا أشد ندرة بكثير من صورة لنفس الميدان بنفس الزاوية قبل مائة عام، رغم التطور الشاسع في تقنيات التصوير الفوتوغرافي بين التاريخين.
ميدان المنشية 1980: هذه الأرض الفضاء سيبنى عليها بعد سنوات قليلة مبنى «قصر القطن»، ذلك الصندوق الزجاجي العملاق شبه المهجور بجوار «نُصب الجندي المجهول» (من الموقع الشخصي للسيد مانفريد لِنتز)
ماذا حدث؟ هل اختفى المصورون؟ هل رحلوا عن مصر ضمن من رحلوا من الجاليات ذات الأصول الأجنبية التي رحلت عن الإسكندرية (اختيارا حينا أو قسرا أحيانا) بعد سياسات «ثورة يوليو» القومية؟ هل أصبحت تكاليف التصوير والتحميض والطباعة باهظة للغاية بعد أن تغيرت السياسات الاقتصادية في مصر في هذه الفترة؟ أم أن الحاجة إلى تصوير معالم المدينة وإلى الكروت البريدية قد انعدمت من الأصل منذ أن توقفت الحركة من وإلى الإسكندرية التي تقوقعت على نفسها بعد الثورة واكتفت بسكانها الأصليين والوافدين عليها من الريف المصري؟ أم أن هؤلاء السكان آثروا السلامة وتوقفوا عن تصوير مدينتهم بعد أن أرهبتهم لافتات "ممنوع الاقتراب" و"ممنوع التصوير" التي وضعتها حكومات ما بعد «النكسة» ليس على المناطق العسكرية فحسب، بل وعلى كل المعالم و"المنشآت الحيوية" بالمدينة؟
أم كل ما سبق؟
في كل الأحوال، ما حدث فعليا أن العدسة اختفت من شوارع المدينة. وبعد فترة أصبحت رؤية الكاميرا في الشارع أمرا مستغربا. وبعد فترة أخرى أصبحت أمرا مستهجنا. وتنامى لدى سكان المدينة مشاعر مركبة اختلط فيها الخوف بالكراهية. قد تختلف دوافع بعض من يخشى الكاميرا في الشوارع، ولكن الخوف العدائي واحد. وأصبح جزءا من احتراف التصوير في أحراش المدينة أن تتفادى بعض الأشخاص بعينهم وتتلافى الاحتكاك بهم، أو على الأقل أن تستعد لمواجهتهم.
(3)
المواطن «س» مواطن صالح غيور على وطنه. يراه مطمعا للكثيرين وهدفا لمؤامراتهم. قد يتفهم المواطن «س» فكرة أن يقوم أحد السياح الأجانب (أو ربما مواطن مصري آخر ولكن "مثقف" بعض الشيء) بتصوير أحد المزارات التاريخية المعروفة باعتباره نشاطا سياحيا لا بأس به. وربما يبتلع المواطن «س» فكرة أن يقوم هذا السائح (السائح فقط، المواطن لأ) بتصوير أحد الأسواق الشعبية مثلا والتي يتفنن فيها الباعة في جذب الزبائن بكل الطرق البصرية والسمعية الممكنة. سياحة أيضا وأمرنا لله! أما أن يقوم هذا أو ذاك بتصويب عدسته نحو مبانٍ أخرى أو أي أشياء "غير سياحية" فهذا أمر مريب لا يمكن السكوت عليه. لقد علمته الأيام (ووسائل الإعلام) أن "سُمعة البلد" فوق كل شيء. وفي الحقيقة، المدينة بمشاكلها وأزماتها أصبحت عورة لا يصح أن يطلع عليها أحد. والناس فيها ما يكفيها، خصوصا هذه الأيام بعد الثورة، ونحن، كما يعلم الجميع، في معركة فاصلة من معارك "الجيل الرابع من الحروب". الأمر اذن لم يعد يتحمل المزيد: ممنوع التصوير يا كابتن.
(4)
المواطن «ص» شخص هادئ الطباع يحرص دائما على تجنب المشاكل. يكره السياسة ولا يكترث إلا بما يتعلق بمستقبل الأولاد. يسكن «ص» والأسرة الكريمة في عمارة سكنية صغيرة بنيت في أوائل الثلاثينيات. شقته التي استأجرها والده في أواخر الخمسينيات تتكون من خمسة غرف واسعة يفتخر دائما بسقفها المرتفع ومناورها المتعددة. الشقة، التي ورثها بعد وفاة الوالد رحمة الله عليه والتي سيرثها ابنه أيضا بعد عمر طويل، إيجارها الشهري يبلغ سبعة جنيهات وسبعة وأربعين قرشا لا غير. مكتسبات ثورة يوليو. يعلم «ص» أن شقة مساحتها أصغر من نصف مساحة شقته في العمارة الجديدة المواجهة لعمارته بنفس الشارع الضيق لا يقل إيجارها الشهري (إيجار جديد) عن ألفين وربما أكثر. آدي الله وآدي حكمته. هل هو من دفع عبد الناصر لأن يقوم بتثبيت الإيجارات؟ يرفض «ص» تماما عروض وضغوط صاحب البيت الذي يحلم بالطبع أن يأتي اليوم ويترك له الشقة. أعلى ما في خيله يركبه. لكنه في حقيقة الأمر في غاية القلق. القوانين تتغير كل يوم وأصحاب البيوت يتفنون في أساليب إيذاء السكان وطرق هدم البيوت القديمة لبناء عمارات جديدة بدلا منها. ومكاسبهم خيالية. لن ينسى «ص» أبدا ذلك اليوم الذي صادف فيه شابا يقوم بتصوير البيت. لم يره الجيران أبدا بمثل هذا الغضب. لكنه معذور، هذا الشاب حتما يعمل لصالح صاحب البيت أو واحد من المقاولين الذين يعملون في المنطقة. خطة جديدة لن يسمح باكتمالها أبدا: انت بتصور ايه يا ابني انت؟!
(5)
أما السيد «أ» المدير بأحد فروع المحلات العريقة التي تم تأميمها في الستينيات، فهو يشبه  إلى حد كبير كل من الأستاذ «ب» ناظر المدرسة الشهيرة التي تأسست عام 1920، والدكتورة «ت» مديرة إحدى المستشفيات القديمة الرائعة التي تنتظر الترميم منذ سنوات بعيدة، وأيضا الأستاذ «ث» مدير الفرع المتهالك للبنك العريق. الأربعة موظفون أفنوا أعمارهم بين جدران هذه المباني، ولم يكن طريقهم لهذه المناصب مفروشا بالورود. أثناء النهار، يدور كل منهم في طرقات المبنى القديم ليوزع نظراته المتعالية المتجهمة على الجميع. وفي الليل، لكل منهم كابوس خاص به يظهر فيه وكيل الوزارة أو رئيس مجلس الإدارة في ليلة مظلمة ليكتشف خطأ ما لا يمكن تبريره أو إخفاوه، ليرى نفسه في النهاية مطرودا أو معاقبا. يرثي كل منهم حاله أن جاء نصيبه في هذا المبنى القديم بلا أي إمكانيات أو مخصصات مالية لبند الصيانة. أصبح هذا المبنى سفينة متهالكة يجب عليهم سد ثقوبها بأي وسيلة رخيصة حتى تمر الأيام ويحين وقت الترقية الجديدة في مكان أفضل (أحدث) أو يحين وقت التقاعد. كاميرا؟ هناك من يحاول أن يصور المبنى؟! صحافة؟ أحد شباب الفيسبوك؟ فضيحة؟ لا: ممنوع يا حضرت. بتصور ايه؟ يا أمن! هات الكاميرا دي. حد يبلغ البوليس.
(6)
«ج» جندي مجند شاءت الأقدار وشاء قادته أن يقف حراسة أمام الكنيسة التي عمرها من عمر جده الكبير الله يرحمه. أما «ح» فهو في حراسة المعبد اليهودي (استغفر الله العظيم) المغلق منذ سنوات عديدة. يحصي كل منهما الأيام التي تبقت لهم في هذه المهمة التي ما يعلم بها إلا ربنا. البلد تغلي فوق صفيح ساخن والعمليات الإرهابية هي عناوين جرائد كل يوم، والداخلية أغلقت الشارع الجانبي المؤدي للمعبد وتبني أسوارا أكبر أمام الكنيسة من الخرسانة بدلا من الأسوار الخشب الخائبة القديمة التي لن تحميه ولن تحمي هذه المباني القديمة التي يقف أمامها ليل نهار. يا رب اجعل العواقب سليمة. بصراحة الأمر لا يحتمل أيضا واحد أو واحدة يأتي بكاميرا بدعوى تصوير المبنى الجميل. عندك ألف مبنى جميل، رح صورهم: عندك! انت بتعمل ايه؟! أنا عندي أوامر بالضرب في المليان.
(7)
أما «خ» فهو أحد الباعة الذين يسمونهم "جائلين" في الصحافة. عندما زار المحافظ الجديد "المنطقة" الخاصة به خلف المحكمة القديمة لم يخف، بل رفع صوته مناديا ولم يتوقف إلا حين سُمح له بالحديث مع المحافظ ذات نفسه. وفي الدقائق القليلة التي سمحوا له بالحديث فيها ألهمه الله سبحانه وتعالى بأحسن الكلام. فأخبر المحافظ أنهم لا يسرقون ولا يتاجرون في الممنوع، وأنهم جميعا على باب الله ولا يأذون أحدا. وان كان الأمر متعلقا "بالشكل الجمالي" فلتبني المحافظة لهم أكشاكا جميلة. بعد بضعة أشهر جاء بعد هذا المحافظ الجديد محافظ أجدد. وترقب الجميع في "المنطقة" ماذا سيحدث هذه المرة. يذكر الجميع تفاصيل ما حدث في نفس الأسبوع عندما شاهد «خ» الشابين والكاميرا في يد أحدهما. راقبهما «خ» بهدوء لا ينبئ بأي ردة فعل، حتى جاءت اللحظة الحاسمة التي رفع فيها أحدهما الكاميرا والتقط صورة. تساءل «خ» في داخله: حكومة أم صحافة؟ من سيظهر في هذه الصورة؟ وماذا سيحدث له؟ وهل سننتظر حتى نعرف بعد فوات الأوان؟:  تعالالي هنا. هات البتاعة دي.. أهيه.. عشان تبقى تيجي تصور هنا تاني يا (...).
(8)
أما الحاج «ح» فهو رجل خَيّر أفضاله على الكثيرين، وبالأخص على مهندسي الحي. بنى الحاج «ح» ستة عمارات جديدة في وقت قياسي بفضل الله في هذا الحي المبارك بعد ثورة يناير. منهم اثنان فقط كان مكانهم فيلات قال له مهندسو الحي أن هدمهم محظور لأنهم مسجلون في «المجلد» (قائمة التراث). لكنهم وجدوا مخرجا من هذه المشكلة الحمد لله. ولأن الحاج «ح» لا يبالغ في التكسب كغيره أقسم ألا يزيد عدد الأدوار المخالفة في أي من عماراته عن خمسة أدوار فقط. فالطمع لا يفيد وأرواح الناس ليست لعبة. يجلس الحاج «ح» هذه الأيام في ركن هادئ في شارع مكتظ وحوله عدد من الصبيان والمساعدين. من هذه الزاوية يستطيع أن يتابع العمارة الجديدة أثناء مراحل تشطيبها الأخيرة، وفي نفس الوقت يستطيع أن يراقب بيت آخر قديم في الناحية الأخرى لم يبقى فيه من السكان سوى عائلة واحدة مازالت المفاوضات والمساومات قائمة معهم لإخراجهم منه قبل هدمه. مازال لديه بعض الوقت للتفاوض لأن البيت للأسف هو أيضا في «المجلد»، والجماعة في الحي لم ينتهوا بعد من التصرف. اليوم انقطع استمتاعه بجرعة "المعسل" الصباحية فجأة عندما أن رأى شابة تبدو بنت ناس تحمل كاميرا وتقف بالقرب منه لتصور العمارة الجديدة ثم تتطلع نحو البيت القديم. يبدوا أنه نهار أسود. لقد حذره الجماعة مهندسو الحي من مثل هؤلاء الشباب الذين يحومون حول المباني المخالفة والمباني الموجودة في «المجلد» وينشرون المخالفات والهدم على الإنترنت والناس كلها تعرف بالأمور. استعد الحاج «ح» لذك وجهز عددا من المساعدين المستعدين للفتك بأي شخص يقترب من أملاكه. لكنها فتاة هذه المرة وسيكون من العيب أن يقال أن الحاج تعارك مع بنت. لابد من حل آخر: هل تقوم «أم تامر» بالواجب وتفتعل معركة مع البنت وتجيبها من شعرها؟ أم يكتفي بالإشارة من بعيد للواد «تامر» نفسه ليتحرش بها وسط الشارع؟ لابد من قرار سريع: اندهلي الواد تامر بسرعة.

(9)
بعد عقود من تراكم الأخطاء وإساءة الإدارة أصبحت المدينة سوءة يخجل الناس منها. وأصبحت شوارعها بالإهمال والقمامة والفوضى ومخالفات البناء وهدم التاريخ مسارح متصلة لجرائم فردية وجمعية يومية يريد الجميع أن يتجاهلها لصعوبة مواجهتها وحلها. ولكن الكاميرا الملعونة قد تفضح كل ذلك. 


(10)
بعد نحو شهرين من الواقعة المذكورة في البداية مررت بنفس الشارع بحي «كامب شيزار» مرة أخرى وذكرى ما حدث معي لا تزال حاضرة في ذهني بقوة. اقتربت بهدوء باحثا عن المبنى المتهالك. لم أجده في مكانه؛ فقط قطعة أرض فارغة تتطاير منها الأتربة في صمت. لقد انتصر البلدوزر مرة أخرى. 

سقوط الجدران الأخيرة

 حينما حاولت أن أكتب تعريفا للدور الذي أنشأت من أجله هذه المدونة لأكتبه تحت عنوان "عن هذه المدونة" ، لم أجد سوى هذه الكلمات:

«جدران مدينة متعبة» هي شهادة على وقت عصيب تمر به الإسكندرية.
"المدينة العريقة تحصد اليوم ثمار عقود طالت من الفساد والجهل وسوء الإدارة وإساءة التخطيط. بقدر المستطاع، تحاول «جدران مدينة متعبة» أن تقرأ معك بتأنٍ ما يحدث اليوم لمدينتك التي يزيد عمرها عن ألفي وثلاثمائة عام، حتى تتخذ أنت القرار: هل ستدافع عنها وعن تاريخها ومستقبلها أم ستتركها لجرافات الجهل والجشع؟"

الآن، في اللحظات التي أكتب فيها هذه الكلمات، تقوم فيها هذه الجرافات بهدم آخر جدران أحد أهم المباني التاريخية في الإسكندرية.. فيلا أجيون.

اهتمت المدونة بقضية الفيلا وتاريخها ورصدت أكثر من مرة محاولات هدمها، وكذلك في مبادرة «انقذوا الإسكندرية» تابعنا محاولات التعدي، ونظمنا وقفة احتجاجية أمامها كانت هي أكبر وأهم وقفاتنا. ونبهنا مؤخرا للأحكام القضائية التي صدرت بخصوصها.
لكنها الآن تهدم. بالقانون.

منذ مارس 2012 وهذه المدونة تبحث عن الإجابة: من سينتصر.. نحن أم جرافات الجهل والجشع؟

الإجابة الآن واضحة. 

عن المدينة والذاكرة ومأزق التراث

في الصفحات الأولى من الجزء الأول من ثلاثية «القارة المائية» (2006) The Liquid Continent، والذي يصف فيه الكاتب نيكولاس وودزورث رحلته للإسكندرية كواحدة من ثلاثة مدن بحرمتوسطية كبرى، يستقل المؤلف القطار المتجه للمدينة، وتأتي جلسته إلى جوار طالب جامعي سكندري كان منشغلا بهاتفه المحمول. يتبادل الاثنان كلمات قليلة عن الإسكندرية. غير أن الشاب يخرج عن صمته فجأة عندما بدى على الكاتب الاهتمام الشديد بإحدى الفيلات القديمة المهمَلة تصادف أن يمر القطار إلى جوارها في نهاية رحلته:

"إنها لا شيء" قالها وهو يشيح بيده في رفض. "هناك مئات من هذه المباني في الإسكندرية. كان الأجانب الأغنياء يعيشون فيها. إيطاليون، يهود، يونانيون، شوام، فرنسيون.. لقد رحلوا جميعا. والآن تختفي هذه البيوت أيضا. سرعان ما سيهدم هذا البيت أيضا. ما أهميته؟ انه قديم."

تعليق الشاب، مثل الفيلا نفسها، أثار الدهشة والتساؤل لدى الكاتب، فكتب يقول أن مثل هذا البناء التاريخي لو وجد في روما أو نابولي لكان له شأن آخر، لكنه في الإسكندرية أصبح مثالا على الإهمال. تعليق الشاب قصير ومقتضب، لكنه بلا شك لسان حال الكثير من سكان الإسكندرية على اختلاف أعمارهم وتخصصاتهم. بسبب عملي في تدريس العمارة واهتمامي بتاريخ المدينة العمراني سمعت مثل هذه الآراء كثيرا، ليس فقط من الطلبة بل من زملاء ومن مهندسين يمارسون المهنة منذ فترات طويلة، منهم من قام ببناء عمارات سكنية فوق حطام مثل هذه الفيلا منذ بداية السبعينيات. واليوم، وبعد عقود من هذا "الإحلال العمراني" سيطرت الأبراج الخرسانية تماما على خط سماء المدينة. أحياء كاملة اختفت ملامحها العمرانية بشكل كامل عبر العقود الأربعة أو الخمسة الأخيرة. تغير عمراني سريع وكاسح لن يدرك فداحته إلا من يقوم بمقارنة الصور الفوتوغرافية القديمة لشوارع المدينة وميادينها بحالتها اليوم. تضاعفت قيمة هذه اللقطات كثيرا مع تغير المدينة. بعض الصور تفشل كل الجهود المبذولة الاستنتاج مكانها الحالي، رغم أنها تحمل تاريخ يعود الثلاثينيات مثلا. 

حي "سموحة سيتي" في الثلاثينيات. ماذا تبقى من هذه الضاحية الحدائقية الفريدة؟ لا شئ!
الصورة عن موقع
aaha.ch

لقد كان أمرا ملفتا أن يثير الكاتب أسامة أنور عكاشة هذه القضية في توقيت مبكر في «الراية البيضا» المسلسل التليقزيوني الذي تم انتاجه عام 1988. في المشهد الأخير من هذا المسلسل يجلس أبطاله أمام البلدوزر الذي يتحرك بثقة ليهدم فيلا من روائع تراث المدينة المعماري بعد أن فشلت كل جهودهم الأخرى في الحفاظ عليها، وتقف الكاميرا في اللحظة التي تتشابك فيها الأيدي أمام الجرافة المتقدمة. لكن يبدو أن الرسالة -رغم صياغتها المبهرة ونهايتها البديعة- لم تصل إلى أهل الإسكندرية، واستمرت المدينة في التغير والتدهور، بل إن الفيلا التي شهدت أحداث المسلسل وكانت رمزا دراميا لتراث المدينة الفريد تم هدمها هي نفسها لاحقا. وهي، بالمناسبة، لم تكن -رغم طرازها الأوروبي الانتقائي- بيتا لأحد الأجانب أو "الخواجات" الذين شكلوا الموزاييك العرقي والثقافي الفريد لسكان الإسكندرية قبل 1952، وإنما كانت سكنا لعائلة عثمان باشا محرم شيخ المهندسين المصريين ونقيبهم ووزير الأشغال العامة في 14 وزارة مختلفة في ظل حكم فؤاد وفاروق.

فيلتا عثمان محرم باشا، مسرح أحداث مسلسل الراية البيضا، قبل هدمهما. الصورة تعود إلى السبعينيات 
الصورة من الموقع الشخصي للسيد بروس برامسون 

إن الإنسان بطبيعته يرتبط بالأمكنة التي نشأ فيها أو تلك التي ارتبط بها تاريخ أسرته أو احدى الجماعات التي ينتمي إليها اجتماعيا أو ثقافيا أو دينيا. والمجتمعات المختلفة دائما ما تتخيل أن هُويتها مرتبطة بأماكن بعينها تصبح "أمكنة للذاكرة" وتحمل بالتالي قيما ومعانٍ أعمق وأهم من غيرها. ولايخلو سياق خاص بالهوية الوطنية من حديث عن أماكن تحمل رمزية ينبغي على الجميع أن يحافظ عليها. فالسؤال هنا إذن لماذا ترك سكان الاسكندرية مدينتهم تتحول بهذا الشكل؟ ولماذا أصبحت المباني التاريخية إرثا يخص غيرهم من جنسيات أصبحت في نظرهم غريبة على المدينة؟ ومتى أصبح "القديم" غير ذي أهمية؟ لا شك أن مأزق التراث في الإسكندرية مرتبط بظروف المدينة الجغرافية والتخطيطية والاقتصادية، لكنني هنا سأقوم بالتركيز على التغيرات السياسية والديموغرافية الجسيمة التي طرأت على الإسكندرية (وعلى مصر بشكل عام) في أعقاب يوليو 1952 باعتبارها أحد الأسباب المباشرة وراء هذه التحولات. 


لقد كان العمران ولا يزال وسيلة هامة تم استخدامها في دعم الأنظمة السياسية بأساليب مختلفة عبر التاريخ. فمن يتحكم في شوارع المدينة وميادينها يستطيع أن يؤثر بالتالي بقوة في وجدان أهلها وذاكرتهم الجمعية بالشكل الذي يتوافق مع مصلحته. من يتحكم في عمران المدينة يتحكم بالتالي في قرار إقامة (أو إزالة) النصب التذكارية بما يتفق مع روايته المفضلة للتاريخ، ويملك آلية تغيير أسماء الشوارع والحارات والمحطات ومباني الخدمات العامة بأسماء الأشخاص والأحداث التي يريدها أن تبقى في الأذهان لكي يبني عليها شرعيته، ويملك القرار في اختيار ما هو جدير بالترميم والحفاظ من عمارة المدينة وما لا يستحق سوى الإهمال والتخريب، ويتحكم أيضا فيما يصح أولا يصح إقامته من طقوس أو احتفالات جمعية يمارسها سكان المدينة في حيزاتها العمرانية العامة. هذه السياسات التي تجمع ما بين التحكم فيما هو مادي ملموس وما هو معنوي غير ملموس تعمل في مجملها على تشكيل جوانب لا يمكن الاستهانة بها من المجال العام الذي يتفاعل من خلاله سكان المدينة، وبالتالي على تشكيل وجدانهم وهويتهم.


إذا تتبعنا التاريخ العمراني لمدينة الإسكندرية الحديثة منذ أن ازدهرت على يد الوالي محمد علي باشا وحتى اليوم، نستطيع أن نقسم هذا النوع من سياسات التعامل مع العمران الواعية لتفاعل "العمران-الذاكرة" إلى ثلاثة فترات تتزامن في الحقيقة مع التغيرات في الساحة السياسية المصرية. الحقبة الأولى هي حقبة الأسرة العلوية خاصة منذ عهد الخديو اسماعيل الذي كان أول من أقام تماثيل في الميادين العامة بالقاهرة والإسكندرية لترسخ تاريخ الأسرة الحاكمة في الحيزات العامة، فكان تمثال جده محمد علي باشا الذي أزيح عنه الستار بميدان المنشية عام 1873 هو الأول من نوعه الذي يقام في مدينة تنتمي إلى العالم الإسلامي.


باستطاعتنا -إن أردنا- أن نتابع ونحلل طبيعة الصراعات السياسية المعقدة بين سلطة القصر وسلطة الاستعمار ونفوذ الجاليات الأجنبية بالإسكندرية وأيضا التيارات والأحزاب السياسية الفاعلة في ذلك الوقت (الذي ترسخت فيه الأفكار النهضوية والقومية المصرية) من خلال رصد وتحليل التماثيل والأضرحة وأسماء الشوارع والميادين في الإسكندرية.

الوالي محمد علي ممتطيا جواده في قلب ميدان الإسكندرية الأكبر، ميدان المنشية. تمثال من البرونز للمثال الفرنسي جاكومار.
الصورة من موقع Ancient Egypt and Archaeology Web Site

 أما الحقبة الثانية، وهي الحقبة الناصرية، فقد أولت اهتماما بالغا بهذا النوع من إدارة العمران، فحرصت على استبدال كل ما يمكن أن يذكّر أو يرمز إلى فترة حكم الأسرة العلوية بالمدينة برموز "ثورة يوليو" وما يدعم شرعيتها من أسماء وأحداث تاريخية. فأصبح النصب التذكاري «للخديو اسماعيل» هو نصب «الجندي المجهول» و«فكتوريا كوليدج» أصبحت «كلية النصر»، وميدان «محمد علي» أصبح ميدان «التحرير»، وشارع «توفيق» صار شارع «عرابي»، وهكذا. وصاغ نظام ناصر نسخة معدلة من التاريخ كانت المدينة نفسها بشوارعها وعمارتها وسيطا في ترسيخها لدى العامة ضمن مشروع محكم استهدف ذاكرة المصريين بذاكرة جديدة (أو "ذاكرة مضادة" counter-memory إذا استخدمنا مصطلحا للفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو).

تمثال الخديو اسماعيل في منتصف الستينيات مطموسا ومغلفا بالورق والقماش. لاحقا سينزع من فوق قاعدته وسيلقى في أحد المخازن، ثم ستطرح فكرة تحويله إلى عملات معدنية!
الصورة من مجلة «
أحوال مصرية»

كما تسببت سياسات عبد الناصر الاشتراكية ذات المفهوم الضيق لفكرة الوطنية بشكل مباشر وغير مباشر في رحيل جماعي للجاليات ذات الأصول غير المصرية عن الإسكندرية، وفي المقابل توافدت على المدينة أعداد هائلة من سكان أقاليم مصر الأخرى، ومن ثم، ومع هذه التغيرات الديموغرافية المفاجئة، لم تتوفر الظروف المناسبة لنشأة تلك الأواصر التي تربط بين قطاعات كبيرة من سكان المدينة وبين شوارعها وعمارتها والتي لا تتحقق إلا عبر فترات زمنية طويلة من التفاعل المتبادل. 


أما الحقبة الثالثة التي امتدت منذ بداية السبعينيات وحتى بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، فهي حقبة "الانفتاح" وشرعية "أكتوبر"، والتي اهتمت فيها السلطة لفترة وجيزة في السنوات الأولى لحكم السادات بفكرة الذاكرة والعمران أقامت أثنائها نصبا تذكاريا لحرب أكتوبر بميدان «الجمهورية» (محطة مصر سابقا)، وأزالت أو تعمدت اهمال بعض رموز الناصرية (مثل مبنى الاتحاد الاشتراكي الشهير، أيضا بميدان المنشية) في سبيل تحقيق "ذاكرة مضادة" جديدة، قبل أن تفقد اهتمامها تماما بالفكرة، تاركة المدينة تتشكل بواسطة رؤوس الأموال الجديدة الوافدة على المدينة دون تدخل يذكر من الدولة التي زهدت أيضا في أفكار الحفاظ العمراني والتراث. ليبدأ وجه المدينة في التحول السريع الذي لم يتوقف لحظة حتى الآن. 


لقد تركت هذه السياسات المتناقضة أثرها البالغ على علاقة سكان الإسكندرية بمدينهم وشوارعها وعمارتها الفريدة. وزادت حدة المشكلات الاقتصادية وتعقيدات البحث عن الرزق من انصرافهم عن الاهتمام بشأن المدينة وتراثها. والسؤال الآن إذن كيف يمكن من الأصل أن يتم الحفاظ على أبنية تاريخية في مجتمع أغلبه قد لا يعتبرها تراثا يستحق الحفاظ بعد كل هذه التحولات السياسية والاجتماعية؟ 


لقد حققت بعض الجهود الداعية للحفاظ على تراث المدينة بعض المكاسب في العقد الأخير من القرن العشرين عندما حاول عدد قليل للغاية من المتخصصين أن يقفوا في وجه التحول العمراني، وعلى رأسهم جاء د. محمد عوض ليضع لأول مرة قائمة للتراث العمراني بالإسكندرية أتمها عام 1999، ونجح بعدها في اقناع محافظ المدينة بتطبيقها كقائمة للمباني المحظور هدمها في المدينة مستفيدا من قانون الحاكم العسكري في ذلك الوقت الذي حظر هدم "الفيلات التاريخية". ثم أقرت الحكومة قانونا "للحفاظ على التراث المعماري" عام 2006 به ما يكفي من عقوبات (وثغرات) وتحددت بعده قائمة جديدة لتراث يحظر هدمها. فهل نجح كل ذلك في الحفاظ على "تراث" المدينة؟ لا شك أن هذه الإجراءات قد أبطأت بعض الشيء من وتيرة الهدم والتحول، لكنها لم توقفه بأي حال من الأحوال. لقد أثبتت التجربة أن القوانين مهما بلغت صرامتها لن تقنع أحدا بأن ما يمتلكه من مبان تاريخية هو تراث قيّم عليه أن يحافظ عليه ليبقى لأولاده وأحفاده. لقد هدمت مبان رائعة وهامة كانت مدرجة في القائمة الأولى وفي الثانية ولم يترك المُلاك والمستثمرون وسيلة أو حيلة أو ثغرة قانونية أو حجة دستورية أو ظرفا سياسيا استثنائيا إلا واستغلوه في هدم المزيد والمزيد من هذه المباني.


الأمر إذن مرهون بأن يشعر سكان المدينة نفسهم مرة أخرى بقيمة هذا التراث الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وبالتالي بتبعات خسارته. ومطلوب منا جميعا كمهتمين أو متخصصين أن نعمل على سد الفجوة بين سكان المدينة وتراثهم المفترض بكل السبل الممكنة. وعلينا أن نذكر أجهزة الدولة  بفداحة ماتسببت فيه سياسات الحقب الماضية وبأنها الآن معنية - رغم ترهلها ومشكلاتها العاجلة والمزمنة - ببناء ودعم هذا الوعي إذا أرادت أن تحافظ على ما تبقى من المدن المصرية.

هدم قلعة قايتباي: ملاحظات حول خطاب قديم

© Stéphane Compoint قلعة قايتباي على رأس الميناء الشرقي 

سؤال، هل تستطيع أن تتخيل الإسكندرية بدون «قلعة قايتباي»؟ كيف كان «الميناء الشرقي» سيبدو بدون هذا الحصن المملوكي الفريد؟ أي بناء كان سيحل محل القلعة عند أطراف جزيرة «فاروس»، في هذا الموقع التاريخي الهام الذي ظل فنار الإسكندرية قائما فيه لقرون عديدة قبل أن ينهار وتقام «قلعة قايباي» على أطلاله؟ ليس هذا السيناريو خيالا أو افتراضا، بل هو ما بدأ تنفيذه بالفعل في أحد أيام شهر فبراير من عام 1904، حين شرع بعض العمال في هدم القلعة  التاريخية (بإخلاصهم المعهود بالتأكيد) بعد تلقيهم الأوامر من قائد قوات خفر السواحل المسئولة عن القلعة. 
ebay.com قلعة قايتباي كما تظهر في رسم يعود لعام 1835 - عن كارت بوستال من موقع 
القلعة (أو الطابية) هي نموذج رائع للعمارة العسكرية المملوكية. بناها السلطان المملوكي «الأشرف أبو النصر قايتباي» في القرن الخامس عشر (نحو عام 1479م) بثغر الإسكندرية كإجراء ضمن خطته لمواجهة تهديدات الدولة العثمانية لمصر. أهم مكوناتها هو البرج الرئيسي المميز الذي يتكون من ثلاثة طوابق، والذي يحتوي بداخله مسجدا صغيرا وتعلوه مئذنة مملوكية رشيقة، بالإضافة إلى الأسوار والتحصينات الخارجية.
 البرج الرئيسي لقلعة قايتباي قبل 1904 "Pharos Antike, Islam und Occident: Ein beitrag zur architekturgeschichte" 
القلعة كانت قد تضررت بشدة جراء قصف الأسطول الإنجليزي لمدينة الإسكندرية في يونيو 1882. كانت القلعة أهم تحصينات الجيش المصري بقيادة «عرابي باشا» في المدينة، ولذلك كان لها نصيب الأسد من المقذوفات التي استهدفت مدافع عرابي، وأطاحت في طريقها بمعظم أجزاء المئذنة، كما ألحقت بالبرج وبالأسوار الخارجية أضرارا عديدة. ثم سقطت الإسكندرية في يد الإنجليز. بعدها بسنوات أجريت بعض الإصلاحات المحدودة للمبنى وظل على حاله حتى صدر قرار الهدم المذكور، وأوشك المبنى على الاختفاء تماما.
برج القلعة بعد محاولة هدمها
قرار هدم القلعة جاء من شخص تخصصه الدفاع والحرب وغير مؤهل لتحديد قيمة المباني التاريخية وكيفية التعامل معها، فمن أنقذها إذن؟ هذا هو السؤال المهم هنا. 
منذ ما يزيد عن مائة عام، كانت «لجنة حفظ الآثار العربية» Comité de Conservation des Monuments de l’Art Arabe هي اللجنة المسئولة عن تراث مصر المعماري منذ الفتح الإسلامي. وكان على رأس هذه اللجنة رجلٌ وقور وشديد النشاط يحمل اسما أوروبيا ولقبا مصريا رفيعا.. «ماكس هرتز باشا» (1856-1919) Max Herz Pasha . في 13 مارس 1907، أرسل هذا الباشا خطابا إلى أحد أصدقائه يحكي له فيه عن ملابسات إحباط محاولة هدم «قلعة قايتباي»، إحدى أهم معالم الأسكندرية، وكان هذا نص الخطاب (*): 
"عزيزي السيد «فان بِرشِم»، (...) بدايةً، دعني أجيب على بطاقتك البريدية؛ أرى أنك متحمس لتعرف شيئا عن التاريخ الحديث لـ «قلعة قايتباي». نعم، إن هذا الأثر المثير للاهتمام، والذي يقف في موقع تاريخي عتيق، قد فقد شكله الجميل الذي أمتع كل زائريه فيما مضى. وسقط ضحية الإهمال مثل أشياء كثيرة في هذا العالم. هذه المرة كانت رابطة ضباط الجمارك - يطلق عليهم هنا اسم "خفر السواحل"- هم المسئولون عن هذا التخريب. في 1904، تلقيت استفسارا من «بروفسير شفاينفورث» في الإسكندرية عما إذا كنت علمت بأن هدم قلعة قايتباي قد بدأ. أذهلني الخبر. وفكرت أن أي قلعة -بغض النظر عمن يملك زمام أمورها- هي أمر يخص وزارة الحربية. لذلك قمت بزيارة وزارة الحربية لاستيضاح الأمر. فأخبروني أن وحدة ضباط الجمارك كانوا قد تقدموا بطلب لإجراء بعض الأعمال بالقلعة. فطلبتُ أن تصدر الأوامر بشكل عاجل للعمال، بالتليغراف، بتعليق أعمالهم حتى تُقدم «لجنة حفظ الآثار العربية»  طلبا بتقرير مكتوب عن الأمر. وتم ذلك بالفعل. ثم سافرت إلى الإسكندرية ورأيت الدمار. لقد هُدم الرواق (الدائري) المهم المحيط بالنواة الداخلية للمبنى بشكل كامل. وحجتهم أن حالته كانت سيئة للغاية. ثم أدركت من المراسلات بين "القائمقام" بالإسكندرية ووزارة الحربية أن قرارا قد اتخذ بهدم القلعة بالكامل فيما عدا المسجد الصغير. وتم اقتراح أعمال كثيرة ظريفة بديلة، أعمال كان لها أن تكون موضع فخر للقائمقام لولا الخطر الذي أصبح الأثر فيه. تمكنت أن أقنع الضابط أنه لا خطر ولا حاجة للمزيد من الهدم. واتفقنا أيضا على عدم وضع أي ملاط أو تغطية، وعلى أن تسلّم أي أعمال إضافية إلى «لجنة حفظ الآثار العربية». وافق الضابط، ووزارة الحربية كذلك، وبذلك أصبح بإمكاني أن أجري أعمال الحماية للمسجد ولتلك الأماكن التي كان التدخل فيها ضروريا. واكتملت الأعمال منذ أيام."
وفيما بعد وعلى مدى سنوات قامت لجنة حفظ الآثار العربية بترميم قلعة السلطان قايتباي بشكل كامل ودقيق. اعتمدت اللجنة على رسومات قديمة للقلعة (من أبرزها رسومات كتاب وصف مصر) حتى تعود إلى هيئتها الأولى، وهو ما تم بالفعل، باستثناء المئذنة التي هدمت في قصف الأسطول الإنجليزي، لتصل إلى الحالة والشكل الذي نعرفها عليه اليوم
من محاضر اجتماعات لجنة حفظ الآثار العربية: إحدى لوحات توثيق وترميم قلعة قايتباي
تأمل معي هذه المفارقة المتعلقة بصاحب هذه الخطاب القديم: لما يقرب من ربع قرن، بين أواخر القرن التاسع عشر وبدايات العشرين كان المسئول الأول عن حصر وترميم وتجديد وصيانة ما نسميه اليوم بالآثار الإسلامية في مصر معماري يهودي الديانة مَجَري الأصل. وخلال هذه الفترة، أثبت هذا الرجل جدارة ومهارة غير مسبوقة، فرمم وأنقذ بالفعل عددا عظيما من هذه المساجد والمدارس والوكالات والبيوت والتحصينات في ربوع هذا البلد، ربما لو كان سواه في هذا المنصب لما بقيت إلى اليوم في أماكنها. مسجد الأقمر، باب زويلة، مسجد السلطان برقوق، السلطان حسن، الأزهر، وغيرهم الكثير  من آيات العمارة الإسلامية بالقاهرة أنقذها «هرتز باشا» من الإندثار. جاء هذا الرجل إلى مصر في 1880 والتحق بالمكتب الفني لوزارة الأوقاف في 1881، ثم أصبح مديرا لمتحف الفن الإسلامي في 1892، ثم المعماري الرئيسي بلجنة حفظ الآثار العربية  التي كانت تتولى مسئولية الحفاظ على تراث مصر الإسلامي، والتي ترأسها بنفسه منذ 1901 وحتى تم اجباره على الرحيل من مصر في 1914، ضمن اجراءات اتخذها المستعمر البريطاني مع اشتعال الحرب العالمية الأولى. وتقديرا لجهوده وتميزه، نال البكوية في 1895 ثم الباشوية في 1912.
«ماكس هرتز باشا» (1856-1919)

كما ترى، لم يتم تكليف «هرتز باشا» بإنقاذ القلعة، بل كان هو من بادر وتحرك ليوقف الهدم، ثم بدأ في الترميم بشكل علمي. فعل ذلك لأنه كان معماريا مستنيرا يدرك قيمة التاريخ وقيمة العمارة، في عصر لم يكن يعرف مصطلحات "المحسوبية" أو"الأقدمية" أو سياسات تقسيم الكعكة السياسيةببساطة، كان الرجل المناسب في المكان المناسب. هل تعرف عدد الطوابي الحربية والمواقع الأثرية التاريخية التي هدمت فيما بعد في الإسكندرية على يد القوات المسلحة وبالأخص في العقود الأربعة الأخيرة؟ 
من ناحية أخرى، نعم، أتى على مصر حين من الدهر كانت فيه دولة عصرية تتسع للأديان والثقافات والأعراق واللغات المختلفة. أتى عليها عصر اتسع فيه أفق المواطنة بشكل غير مسبوق. وقتئذ، كان المواطن المصري هو ذلك الذي يقوم بدوره في خدمة هذا الوطن وأهله ويعمل على تقدمه وازدهاره. ما أصله؟ ما دينه؟ لا يهم! لقد فقدت مصر الكثير عندما فقدت التنوع والتعددية في مواطنيها، والإسكندرية نفسها أوضح مثال على ذلك. ضاق مفهوم المواطنة والهوية بشكل كبير وأصبح الاختلاف مستهجنا.
اليوم، في وقت تفوح فيه رائحة الفتن الطائفية والمذهبية البغيضة بين الحين والآخر في ركن من أركان مصر، من الأحرى بنا أن نتذكر عصر «ماكس هرتز باشا»، ذلك العصر الذي عهدت فيه الدولة المصرية المستنيرة مسئولية الحفاظ على الآثار الإسلامية في ربوع هذا البلد العريق إلى معماري يهودي مَجَري، لأنه كان أفضل من يقوم بهذه المهمة. ولم يكن أمرا مستغربا. فلنتأمل هذه الحقيقة، لعلنا ندرك حجم التردي الذي وصلنا إليه.

(*) نص الخطاب من كتاب Max Herz Pasha (1856-1919): His Life and Career أو «ماكس هيرتز باشا (1856-1919): حياته وأعماله» ، ترجمة نص الخطاب: د. محمد عادل دسوقي.

وقائع اختفاء «سينما ريالتو»

وكأنه نفس المشهد السينمائي الحزين..
في فيلمه الرائع «سينما باراديزو الجديدة» (1988) "Nuovo Cinema Paradiso" يصور لنا المخرج الإيطالي «جيوزبي تورنَتوري» كيف ارتبطت طفولة بطله بسينما القرية التي ولد بها، سينما باراديزو (بالإيطالية: الجنّة)، وكيف تشكل وجدانه بين جدرانها العالية. في الفيلم، يعود البطل بعد ثلاثين عاما لقريته ليشهد وقائع هدم سينما باراديزو بنفسه، بعد أن تقرر استبدالها بموقف للسيارات. في مشهد بالغ الصدق، يلتف أهل القرية حول دار السينما العتيقة، يعلو صوت التفجير مدويا، ثم تتهاوى الجدران وسط سحابة كثيفة من الغبار. ومع الجدران التي لوحتها الشمس لعقود طويلة تتهاوى كذلك الذكريات والأحلام.



وكأنه نفس المشهد. اليوم في الإسكندرية، المدينة التي شهدت أول عرض سينمائي في مصر (1896)، وأول دار سينما (1897)، وأول تصوير للقطات سينمائية (1897)، وأول ستوديو سينمائي مصري (1907)، وأول مجلة سينمائية (1919)، تهدم واحدة من  دور السينما التاريخية. خطوة جديدة في سباقنا المحموم نحو محو تاريخنا وذاكرتنا.
من جديد، تفقد الإسكندرية دار سينما أخرى. واليوم كان الدور على «سينما ريالتو».
«سينما ريالتو» : من أعمال الفنانة كاميل فوكس (camillefoxart.com)
«ريالتو».. 36 شارع صفية زغلول، محطة الرمل. عنوان طالما قصده سكان الإسكندرية لعقود طويلة لمشاهدة الأفلام الجديدة.. 666 مقعد بالصالة، 439 بلكون، و20 لوج، أي 1205 نافذة كانت تفتح يوميا للخيال والسعادة والذكريات، ثلاثة أو أربعة مرات كل يوم، طوال العام.
موقع «سينما ريالتو» (1938)
نعم، بالفعل أطاح البلدوزر اليوم بما تبقى من مبنى السينما، لكن، في حقيقة الأمر، ان اختفاء «ريالتو» بدأ قبل اليوم بكثير. فمثلها مثل آلاف الأبنية التاريخية في الإسكندرية، تُركت عمدا فريسة للإهمال والإضافات والتشويهات وفشل الإدارة والقوانين، قبل أن تظهر فجأة إحدى شركات "الاستثمار العقاري" لتشتريها وتهدمها وتستبدلها بما تيسر لها من مبانٍ دميمة تقضي على ما بقي من ملامح المدينة، وتزيد من اختناق شوارعها. في حالتنا هذه، أعلنت شركة الاستثمار العقاري انها ستقوم "بتطوير" السينما. وضعوا لافتة كبيرة تقول "ريالتو تولد من جديد!" (Rialto Re-born)، وبالطبع لكي تولد من جديد، كان لابد من قتلها أولا!
 طالع الآن موقع الشركة الذي سيخبرك، بلغة انجليزية ركيكة، عن «ريالتو مول» والذي سيضم "اختيارات متنوعة من الأزياء المتميزة، والمستلزمات المنزلية، والمحلات الحديثة، بما في ذلك سينما متعددة الشاشات، ومجموعة مطاعم (food court) عالمية مثيرة للإعجاب، ومساحات تجارية للبنوك، تقع بميدان محطة الرمل". هل سيتحمل شارع صفية زغلول كل هذا؟!
بدأ الهدم الفعلي منذ نحو شهر. واتبعت الشركة المذكورة أسلوبا شديد المراوغة، فقد أعلنوا أنهم سيطورون المبنى، وبالفعل أزالوا أجزاءه من الداخل فقط وتركوا واجهاته، فظننا أنهم سيكتفون بتقسيم المبنى من الداخل فقط، وهو أسلوب متعارف عليه في التعامل مع بعض حالات المباني التاريخية. وقد جرى بالفعل تقسيم دور سينما شهيرة من قبل بالإسكندرية إلى قاعات أصغر، مثلما حدث في سينمات «مترو» و«أمير» و«رويال»، وإن تفاوتت جودة التعامل المعماري في كل حالة.
صالة سينما ريالتو الداخلية بعد بدء الهدم - عدسة رنا المحلاوي
في هذا الفيلم القصير، سجل محمد نبيل وغادة عصام وسارة سويدان كيف "تولد ريالتو من جديد!". في اللقطات المتلاحقة، نستطيع أن نرى الصالة الرئيسية بزخارفها المميزة والسلم الذي كان يؤدي إلى "البلكون" بينما يواصل عمال الهدم مهمتهم بإخلاص.

لكن الشركة المذكورة باغتت الجميع اليوم وأطاحت بالمبنى بالكامل، بلا أي مقدمات. والمبنى للأسف لم يدرج بقائمة التراث الحالية. كان مدرجا فقط بقائمة التراث التي أعدت في 1999 ولم تعد سارية اليوم. 
هدم «سينما ريالتو» بالكامل - عدسة شهاب الدين مصطفى
هدمت «ريالتو»، وهي ليست السينما الأولى، ولن تكون الأخيرة. اقرأ معي ما كتبه الأديب إبراهيم عبد المجيد عن سينمات الإسكندرية في إحدى مقالاته في 2006:
في نهاية الصيف الماضي وأنا أمشي في شارع فؤاد لاحظت إغلاق سينما فؤاد وسينما بلازا. ثم في زيارة تالية لاحظت حركة في سينما فؤاد لإعدادها لتكون "مسرح أفراح" وعرفت أن ذلك سيحدث أيضا مع سينما بلازا. وانقبض قلبي  كما حدث من قبل مع كل سينما يتم إغلاقها في الإسكندرية. من زمان وأنا أعرف أن هدم السينمات في كل البلاد العربية عملية مخططة، ليست عشوائية أبدا، وراءها بعض رجال الأعمال الجشعين الذين أرادوا الاستفادة من المكان لبناء عمارات أو أنشطة تجارية أكثر ربحا، والأهم أن وراءها أفكارا رجعية ترى فن السينما حراما لا نعرف نحن مصدر تحريمه. هؤلاء الذين فعلوا ذلك لم يعرفوا بالطبع أن شخصا مثلي سوف يتألم لسبب شخصي جدا هو أنه في هذه السينمات تلقى أول دروسه في التخيل وقيمته. وأنهم حرموا طوائف الشعب من أجمل متعة احتفالية، فرؤية الأفلام في السينما أمتع وأعظم من رؤيتها في التليفزيون، لأنه في السينما أنت تشاهد الفيلم ضمن طقس احتفالي كبير يشاركك فيه مئات الناس, وضمن صمت جليل يليق بالفن، وضمن توحيد عميق مع الجماعة من النظارة (...) كم دارا للسينما تم هدمها في الإسكندرية؟ أكثر من ثلاثين دار. ابتداءا من سينما النصر الصيفي في الدخيلة زمان إلى سينما المنتزة الصيفي مرورا بسينما الهلال بالقباري، وسينما الجمهورية براغب وسينما ستار بمحطة مصر وسينما التتويج وريتس والهمبرا والكوزمو والشرق وبارك وماجيستيك بالمنشية ومحطة الرمل، وسينما قيس وسينما ليلى بباكوس وسينما سبورتنج ولاجيتيه وأوديون وغيرهما من سينمات الدرجة الثانية والثالثة. هدمت هذه السينمات وتحولت إلى عمارات أو مولات أو تحولت إلى ورش ومخازن.."
في النهاية، لن نكف أبدا عن التذكير بأهمية تراث الإسكندرية العمراني، سواء لأسباب تاريخية وثقافية بالغة الأهمية لارتباطه بهوية سكان المدينة وذاكرتهم الجمعية وعلاقتهم التبادلية معها، أو لأسباب اقتصادية وسياحية حيث تعتمد مدن العالم على ما تملك من ملامح تاريخية باعتبارها مقومات تسويقية جاذبة للسياحة تدر عليها ملايين الدولارات سنويا، أو لأسباب نفعية ووظيفية بحتة حيث لم تعد الإسكندرية تتحمل أي مزيد من الإضافات والكثافات مع مرافقها المتهالكة وشبكة طرقها الدقيقة.
رفقا بمدينتنا المتعبة.
ووداعا سينما «ريالتو».

عن أكشاك ميدان المنشية: خطاب مفتوح للسيد المحافظ

السيد المحترم/ محافظ الإسكندرية،
تحية طيبة، وبعد،،

لقد تواترت أخبار من مصادر متعددة في الفترة الأخيرة عن اعتزام محافظة الإسكندرية تحويل أجزاء من ميدان التحرير (ميدان المنشية) وميدان سانت كاترين (المنشية الصغيرة) وغيرهما من المناطق العامة المفتوحة بحي المنشية بوسط المدينة إلى أكشاك كمحاولة لاستيعاب جزء من أعداد الباعة الجائلين الذين يشغلون الآن هذه المناطق العامة بكثافة عالية وبدون وجه حق.

وإزاء هذا التوجه الخطير، نطالب سيادتكم باتخاذ اللازم بشأن وقف هذا القرار، وذلك لأسباب عديدة يمكن أن ذِكر أهمها هنا:

أولاً: من الناحية القانونية، ان هذا القرار يتعارض مع ما ورد بالباب الثانى بالقانون رقم 119 لسنة 2008 ولائحته التنفيذية فيما يخص استغلال المسطحات المفتوحة والمناطق التراثية والمناطق ذات القيمة المتميزة، لما يتضمنه انشاء هذه الأكشاك من تشويه للطابع العمراني لهذه المنطقة التاريخية

ثانيا: من الناحية التخطيطية، فإن هذا القرار من شأنه اهدار أجزاء من المناطق العامة المفتوحة بمركز مدينة الإسكندرية، وهي بالفعل شحيحة جدا كما تعلمون، ولا تتناسب اطلاقا مع الحقوق المتعارف عليها دوليا لسكان المدن في وجود أماكن عامة وحدائق ومتنزهات يحق لهم الخروج إليها واستخدامها بحرية ومساواة. نحن في حاجة إلى العمل على زيادة هذه المساحات المفتوحة وليس الاقتطاع منها بأي حال من الأحوال.
ومن ناحية أخرى، فإن زيادة الاستخدامات التجارية تزيد من مشكلة المرور بمنطقة مكتظة تعلمون حجم ما تعانيه من احتقان مروري نتيجة تعدد وتضارب استخداماتها وموقعها المركزي.

ثالثا: فيما يتعلق بقيمة الميدان ورمزيته، فلابد من التأكيد على أن ميدان المنشية ومحيطه العمراني يمثلان جزءا بالغ الأهمية من التاريخ الحديث لمدينتنا ولوطننا بما شهده من أحداث وطنية بارزة وبما يحيط به من مبانٍ تاريخية هامة. وهو بذلك يعتبر عنصرا هاما في وجدان وذاكرة المصريين جميعا، يليق بنا أن نرعاه ونبرزه للأجيال الجديدة لا أن نهدره وننقص من شأنه بإنشاء مثل هذه الأكشاك. 
الملك فاروق في 4 ديسمبر 1983: افتتاح النصب التذكاري للخديو اسماعيل بالميدان (الجندي المجهول الآن)
الرئيس جمال عبد الناصر في 26 يوليو 1956: خطاب تأميم قناة السويس 

رابعا: لقد قامت محافظة الإسكندرية بالفعل بتظيم مسابقة معمارية في عام 2012 لإعادة تخطيط وتصميم ميدان المنشية (ميدان التحرير وميدان عرابي) شارك فيها عدد كبير من المكاتب الاستشارية المصرية وقام بتحكيمها أساتذة أجلاء وخبراء وممثلون للمحافظة ولنقابة المهندسين، وقد أعلنت نتائج هذه المسابقة بشكل رسمي وفاز أحد المكاتب الاستشارية البارزة بالجائزة الأولى عن المخطط  الذي تقدم به والذي يوفر للميدان ومحيطه العمراني ما يليق به من استخدامات ومبان جديدة. إن هذا المخطط هو الأجدر بالتنفيذ وذلك لما قدمه من دراسات وحلول عمرانية جيدة جدا.
المشروع الفائز بالجائزة الأولى في مسابقة تطوير ميدان المنشية (جميع الحقوق محفوظة لمكتب Pacer Consultants)
خامسا: لو أننا فكرنا بشكل واقعي، فإن إقامة أكشاك للباعة الجائلين لن يقدم حلا كاملا ونهائيا لهذه المشكلة، فالأكشاك المزمع إقامتها لن تستوعب كل أعداد هؤلاء الباعة، وعند توفير أكشاك للموجودين الآن، سرعان ما سيحل آخرون محلهم، وستستمر المشكلة طالما استمرت نفس الظروف الاقتصادية والأمنية التي أدت إلى تفاقمها في المقام الأول. 

وأخيرا، يأتي السؤال المهم: لصالح من تدار المدينة؟ لصالح أفراد أم لصالح الجميع؟ إن أية قرارات تمس قطاعات كبيرة من سكان الإسكندرية بهذا الشكل لابد لها أن تراعي المصلحة العامة لكافة الفئات والأعمار والشرائح الاجتماعية، وليس فئة واحدة - مهما علا ضجيجها - تتسبب في مشكلات بوجودها في الشوارع والميادين بشكل غير قانوني. 

الباعة الجائلون هم جزء من سكان المدينة يستحق منا كل الاحترام والاهتمام والرعاية ولكن لن يتم ذلك إلا عن طريق حلول جادة وجذرية تدمجهم في منظومة اقتصادية حقيقية من شأنها أن ترتقي بهم وبمدينتهم، وليس عن طريق مُسكنات وحلول قصيرة النظر ستبقي على فقرهم وتهميشهم ولن تؤدي في النهاية إلا إلى تخريب البقية الباقية من عمارة وعمران المدينة. 

أما ميدان المنشية فلم ولن يكون سوقا للباعة الجائلين، وسيظل الميدان الأهم والأكبر والأقدم بالإسكندرية مهما بلغت درجة تدهوره وازدحامه في الوقت الحالي، وهو حيز عمراني عام مفتوح وملك لكل فرد من سكان هذه المدينة على حد سواء. فإن كان من الصعب أن تقوموا بحمايته وإعادة الحيوية إليه، فعلى الأقل لا تزيدوا من تفاقم مشكلاته وتشويهه.

وتفضلوابقبول فائق الاحترام،،

عن وأد التاريخ .. والتعايش معه

(1) 

الإسكندرية واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم. وبرغم تاريخها الممتد لن تستطيع اليوم أن ترى أكثر ما بناه أهل الإسكندرية عبر هذا التاريخ. في النصف الأول من القرن التاسع عشر ومع ازدهار المدينة بسبب سياسات محمد علي باشا، بدأ أيضا الاهتمام بآثارها. وسرعان ما أصبح لها متحفٌ عظيم يضم ما يتم الكشف عنه من آثار بطلمية ورومانية.
لكنك ستندهش لا محالة إذا عرفت أن اكتشاف «المسرح الروماني» بـ«كوم الدكة» في بداية الستينيات هو آخر المواقع الأثرية التي اكتشفت بمركز مدينة الإسكندرية. لقد توقفت الاكتشافات المتوالية تماما منذ هذا التاريخ! 
غريبة، صح؟ لا يمكنك أيضا أن تتجاهل حقيقة أن توقف الاكتشافات منذ خمسين عاما يتزامن بشكل واضح مع بدايات التدهور العمراني والتردي المعماري بالمدينة. في الحقيقة لا يمكن فصل الظاهرتين. انهما وجهان لقضية واحدة. 
في كتابه «إعادة اكتشاف الإسكندرية» (1998) Alexandria Rediscovered تعرض الأثري الفرنسي الشهير «جان ايف اُمبرور» لمشاكل الآثار في الإسكندرية، المدينة التي قضى بها عقودا باحثا عن الآثار تحت أرضها وتحت ماء بحرها. سأترجم هنا ما كتبه «امبرور» في مقدمة الكتاب منذ 15 عاما:
"بالمقارنة مع حفنة المواقع الأثرية التي يمكن رؤيتها اليوم، لقد اختفى عدد آخر هائل من المواقع للأبد، على الرغم من إخلاص وحماس كل الأثريين الذين تعاقبوا على إدارة المتحف اليوناني الروماني. المديرون الإيطاليون والانجليز ثم المصريون أبدوا جميعا شغفا حقيقيا بمدينتهم. لكنها كانت معركة خاسرة، وأجدني مضطرا للاعتراف أن الأمر يزداد سوءا: فحركة إعادة البناء بمركز المدينة، والتي تجعل الإسكندرية واحدة من أكبر التجمعات الحضرية حول البحر المتوسط، تضمنت تضحيات لا يمكن تعويضها، والوتيرة تتسارع. في السنوات الأربعين أو الخمسين السابقة لم يتم الحفاظ ولو على موقع أثري واحد، فموقع كوم الدكة (المسرح الروماني) كان الأخير. لقد تم انقاذه في بداية الستينيات ثم أجريت به حفريات بأسلوب خبير ومنهجي بواسطة فريق بولندي. وهو الرئة الخضراء لوسط المدينة. وبعيدا عن كونه بقعة خضراء، فقد أصبح مزارا سياحيا يجذب آلاف الزوار كل عام. لا يمكن للمرء إلا أن يأسف أن هذا المثال لم يحتذى بعد ذلك."
المسرح الروماني بكوم الدكة - ويكيبيديا
حسنا، هل يعلم أحد اذن الحجم الحقيقي لما تم اخفاؤه أوردمه أوتحطيمه من اكتشافات أثرية أثناء عمليات الحفر لإنشاء مباني جديدة في الإسكندرية في العقود الخمسة الأخيرة؟
هل يستطيع أحد أن ينفي ما تتناقله الأجيال المختلفة من سكان الإسكندرية عن هذه الجرائم؟ كم تمثال تم تحطيمه عند اكتشافه في مناطق مختلفة من المدينة كي لا تصادر «الآثار» الأراضي؟ ما عدد الصهاريج والأنفاق والأقبية الأثرية التي تمت تغطيها وملؤها بالخرسانة لتختفي للأبد تفاديا للمصادرة؟

هل سمعت مثلي مثلا بما حدث في «عمارات الضباط» في الثمانينيات؟ المعلومات الشفاهية تجزم بوجود اكتشافات مذهلة ظهرت بالفعل أثناء انشاء العمارات بمنطقة «مصطفى كامل» وتم ردمها بالكامل تحت أساسات العمارات بأوامر مباشرة من المشير «عبد الحليم أبو غزالة» وزير الدفاع في ذلك الوقت. موقع العمارات في الأصل كان موقعا متسعا تشغله ثكنات كانت تابعة للجيش الإنجليزي والتي أصبحت فيما بعد تابعة للجيش المصري، قبل أن يتحول فجأة - بقدرة قادر- من موقع عسكري إلى مشروع سكني تعاوني لضباط القوات المسلحة هو الأضخم من نوعه في الإسكندرية. 
ثكنات «مصطفى كامل» في النصف الأول من القرن العشرين (aaha.ch) و«عمارات الضباط» اليوم بنفس الموقع (panoramio.com)
على حدود «العمارات» تقع واحدة من أهم المقابر البطلمية في الإسكندرية، وهي مقابر «مصطفى كامل» التي تعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد، والتي تم اكتشافها بالطبع قبل الستينيات، تحديدا في عام 1933، عندما بدأت تسوية هذا الجزء من الموقع تمهيدا لإقامة ملعب لكرة القدم. السوال الآن هو: كم موقع أثري آخرتم تدميره ودفنه تحت أساسات هذه الأبراج السكنية؟
مقابر «مصطفى كامل» (Alexandria Rediscovered) وموقعها على أطراف عمارات الضباط (Google Earth). 
(2) 
ولكن كيف تعامل سكان ومعماريو الإسكندرية مع آثار مدينتهم قبل "عصر وأد التاريخ"؟ دعنا نتأمل بعضا من أمثلة هذا التعامل العملي مع الآثار.
في العشرينيات من القرن العشرين قام المعماري «فلاديمير نيكوزوف بك» Wladimir Nicohosoff Bey بتصميم استاد البلدية على قطعة أرض تبرعت بها بلدية الإسكندرية شرق حي «كوم الدكة»، وذلك برعاية «أنجِلو بولاناكي» Angelo Bolanaki، اليوناني السكندري الذي كان يطمح في إقامة دورة الألعاب الأولمبية لعام 1916 في الإسكندرية، وهو ما لم يحدث للأسف، لكنه تمكن فيما بعد من جمع ما يكفي لبناء مبنى استاد يتسع لـ 22 ألف متفرج، هو الأول من نوعه في مصر، وقامت شركة المقاولات الإيطالية Dentamaro & Cartareggia بتشييده، وتم افتتاحه في 1929 في احتفالات مبهرة حضرها أفراد من العائلة الملكية المصرية، ليصبح بذلك واحدا من أهم وأجمل استادات العالم في ذلك الوقت.
استاد البلدية (عن صفحة أهل مصر زمان على فيسبوك)
الموقع الذي وفرته البلدية كان يحتوي على أجزاء من أسوار الإسكندرية القديمة. فكيف تعامل «نيكوزوف بك» مع السور الأثري؟ لقد حافظ على ماتبقى من السور ودمجه في الغلاف الخارجي لمبنى الاستاد في مزيج مبتكر. لقد حافظ على الأثر القديم ولم يتخلى عن احتياجات المبنى الجديد. 

كذلك فعل المهندس البلجيكي «مونفرون بك» Monfront Bey مدير الحدائق والتشجير ببلدية الإسكندرية الذي صمم «حدائق البلدية» (الآن حدائق الشلالات) عندما أبقى على الأسوار العتيقة داخل الحديقة كجزء من التصميم، الأمر الذي أضفى على الحدائق مظهرا تصويريا picturesque فريدا.
حدائق البلدية (من كتاب Vintage Alexandria)
جزء من أسوار الإسكندرية التاريخية بحدائق الشلالات كما تبدو اليوم (عدسة محمد عادل دسوقي)
لم يقتصر هذا المسلك فقط على المباني العامة والحدائق، بل لدينا أمثلة رائعة أيضا في المباني السكنية. من يصدق أن يعثر ملّاك احدى الأراضي على صهريج أثري بأرضهم في بداية القرن العشرين، فيبنون عمارة سكنية كاملة فوق الصهريج، ويتمكن مصمم العمارة من استيعاب المنشأ الأثري في تصميمه، ويضع مدخلا يؤدي له، فيصبح بعد سنوات عديدة مخبأً أوى إليه سكان هذه العمارة وجيرانهم للاحتماء من الغارات الجوية أثناء الحرب العالمية الثانية بعد أن قامت البلدية بتجهيز الصهريج ليقوم بوظيفته الجديدة كمخبأ. هل تصدق هذا؟ من أهم هذه الأمثلة عمارتي «تورييل» المشيدتان فوق «صهريج صفوان» بشارع فؤاد.
«عمارتا تورييل Toriel Buildings» بشارع فؤاد (عدسة د. ميشيل حنا من موقع Panoramio) ومسقط أفقي لصهريج صفوان الذي لا يزال موجودا أسفلهما (عن موقع مركز الدراسات السكندرية)
صهريج ابن بطوطة: أحد الصهاريج التي استخدمت كمخابئ أثناء الحرب العالمية الثانية (عن كتاب Alexandria Rediscovered)
حدث ذلك في الإسكندرية في العشرينيات والثلاثينيات، أي قبل أن يتأسس مفهوم "التراث الثقافي" cultural heritage ومفهوم "الحفاظ" conservation بعدة عقود. اليوم، وقد ترسخت هذه المفاهيم وأوجدت شعوب العالم آليات مختلفة للحفاظ على مدنها التاريخية واستثمار تراثها بشتى الطرق، نقوم نحن بهدم آثارنا ودفن تاريخنا تحت أساسات أبنيتنا القبيحة التي تتكاثر يوما بعد يوم. 

صور: وقفة مبادرة «انقذوا الإسكندرية» أمام «فيلا شيكوريل»

المكان: أمام فيلا شيكوريل، شارع أبو قير وشارع أحمد شوقي، رشدي
الزمان: من الخامسة وحتى السابعة، 13 ديسمبر 2012
الحدث: وقفة احتجاجية دعت لها «مبادرة انقذوا الإسكندرية» اعتراضا على الاستعدادات الجارية لهدم الفيلا
المشاركون: مواطنون سكندريون يدافعون عن مدينتهم 

الصور بعدسة: محمد عادل دسوقي

اقرأ أيضا:

من جديد: انقذوا فيلا شيكوريل

من جديد.. يستعدون لهدم فيلا شيكوريل.
العمل يجري ليل نهار لإفراغ المبنى من محتوياته تمهيدا للهدم.
لا غرابة في ذلك، فكلما احتدمت الأحداث في وطننا، سارع "أغنياء الثورة" لهدم ما تبقى من مدينتنا..
فيلا شيكوريل تفرغ من محتوياتها ليل نهار تمهيدا لهدمها
أريد فقط أن أشير لنقطة هامة ربما لم يتسع الوقت لذكرها من قبل. الفيلا كانت خاصة بالخواجة شيكوريل وورثته، حتى جائت قوانين التأميم في الخمسينيات والستينيات وأممتها، أي نزعت ملكيتها، لتصبح مثل بقية ما تم تأميمه وقتئذ ملكا للدولة المصرية. بمعنى أنها الآن - بصرف النظر عن مدى أخلاقية أو شرعية هذا التأميم - أصبحت ملكا لي ولك ولسائر المصريين. في السبعينيات، كانت الفيلا مقرا تابعا لرئاسة الجمهورية. بل إن الرئيس السابق مبارك كان مقيما بها أثناء أحداث يناير 1977، أو انتفاضة الخبز، حين كان نائبا للسادات. وتجمع المتظاهرون أثناء هذه الانتفاضة أمام الفيلا وحاولوا أن يقتحموها كما يحكي الكثير من سكان المنطقة المحيطة بالفيلا. وأخيرا، في الثمانينيات، تمت إضافة دور ثالث للفيلا بشكل جيد جدا، بإشراف وتنفيذ القوات المسلحة المصرية.
من حقنا أن نتساءل كيف ومتى انتقلت ملكية الفيلا إلى الشركة العربية للملاحة البحرية؟ من باعها لهم؟ ملكيتهم مثبتة في أوراق القضايا التي أقاموها لرفع المبنى من قوائم التراث. 
هل أممت مصر أملاك مواطنيها والأجانب المقيمين فيها لتمنحها للشركة العربية للملاحة البحرية التي تسعى اليوم بكل طاقتها لهدم المبنى؟
مرة أخرى، أيها السادة، كيف أصبحت ملككم؟ 
(Association Chatou Notre Ville  فيلا شيكوريل في العشرينيات (من موقع  
شاركونا اليوم في هذه الوقفة، فربما ننقذ جزءا من مدينتنا. ربما.

اقرأ أيضا:

مفردات من قاموس تدمير المدينة (2):

الكاحول:

الكاحول (أوالكَحول، الجمع: كواحيل!) هو مصطلح سكندري يشير إلى الشخص الذي يوافق على استخدام اسمه في المستندات والأوراق الرسمية مثل عقود الملكية وشهادات الصلاحية وطلبات التراخيص لأعمال البناء المختلفة، كواجهة زائفة يتستر خلفها شخص أو أشخاص آخرون يقومون بمخالفات هدم و/أو بناء، وذلك مقابل مبلغ من المال. من ناحيته يوقع الكاحول على عقود أخرى صورية أو عرفية تضمن للمالك الحقيقي الاحتفاظ بممتلكاته في آخر الأمر (يطلق عليها "ورقة الضد"). بعد اكتشاف المخالفات (ان تم كشفها) قد يحاكم الكاحول ويسجن أو قد يقضي عمره هاربا من السلطات أو قد يمر كل شيء في سلام بعد تقديم الرشوة المناسبة للجهات المختصة، في الوقت الذي يستمر فيه عرض وحدات العقارات المخالفة للبيع بشكل شبه طبيعي ليجني المخالفون الفعليون أرباحا طائلة بعيدا عن طائلة القانون. 

ظاهرة الكاحول لا تقتصر على البناء فقط بل هي حيلة موجودة في كل مجال يمكن أن تدر فيه المخالفات أرباحا كبيرة، مثل قطاع التموين أو الوقود أو غيرهما. وهي تكشف عن حجم الظلم الاجتماعي والانسحاق الإنساني الذي يدفع البعض إلى اعلان مسئوليتهم وتقبل إدانتهم عن جرائم ستصل بهم إلى السجن مقابل المال. غير أن هذا الاستعداد لتقبل الإدانة هنا يدل أيضا على نظرة المجتمع بشكل عام لمفهوم المخالفات البنائية تحديدا، فهو يعتبرها نوعا من التحدي لقوانين واشتراطات أغلبها - في رأيه - متعسف والخروج عليها لن يلحق الأذي بالشرف مثل غيرها من الجرائم. هذه النظرة المجتمعية المتسامحة مع المخالفات البنائية أدت إلى استخفاف السلطات التنفيذية بالمشكلة وإلى تراخيها في تنفيذ الأحكام والقرارات المتعلقة بها، مما أسفر في آخر الأمر عن تفاقم أزمة المخالفات بشكل ربما أصبح مستعصيا على الحل.

الكل يعرف بالطبع مَن هو مالك العقار ومن هو الكاحول، فلماذا إذن تستمر هذه المسرحية؟ ستستمر طالما استمر المناخ الذي تنتصر فيه الحيل القانونية والفساد الإداري على القانون والعدالة.

بإسلوبه الساخر، كتب الراحل جلال عامر في إحدى مقالاته عن الكاحول في الحياة والسياسة: 
 ... فكرتنى بالحاج «سعيد» الله يرحمه، خال «التيحى» من أم تانية، كان طول النهار قاعد على ناصية الشارع يسلم على المارة (السلامو عليكو عليكم السلام.. السلامو عليكو عليكم السلام) حتى رشحناه لجائزة «نوبل» فى السلام، وكان كلما حضر الضابط وسأل (عربية مين اللى واقفه فى الممنوع؟) يرد الحاج سعيد (عربيتى)، (شقة مين المخالفة؟) (شقتى)، (الممنوعات دى بتاعة مين؟) (بتاعتى) فيسأله الضابط (هيه كل حاجة هنا بتاعتك؟)، فيرد الحاج سعيد (أصل أنا يا باشا «كاحول» الحارة)، فيهنئه الضابط ويسلم عليه ويقول له (أنت من «الكواحيل» يا سعيد).
عمارة بارتفاع 50 متر على شارع عرضه 6 أمتار - سابا باشا

مفردات من قاموس تدمير المدينة (1):

تأشيرة السيد المحافظ: 

هي توقيع صغير الحجم، كبير التأثير (والثمن؟!)، بيد السيد المحافظ، رأس السلطة التنفيذية في المدينة وحاكمها المحلي، يقوم بموجبه باستثناء منشآت وعقارات بعينها من الالتزام بالقانون (الذي أقسم على الحفاظ عليه) ومن التقيد باشتراطات البناء المقررة في محافظته (والتي وضعتها وأقرتها الأجهزة التخطيطية بمحافظته، بموافقته)، خاصة فيما يتعلق بالارتفاع الأقصى ونسبة البناء المسموح بهما.

يعلق الكاتب يوسف زيدان على أحد أهم أمثلة هذه الظاهرة الفريدة في مقال له نشر في جريدة «المصري اليوم» (١٨/ ٧/ ٢٠١٢)، جاء فيه:
ثم كانت الفاجعة الكبرى فى هذا السياق، عندما استطاعت إحدى شركات المقاولات الكبرى الشهيرة الحصول على تصريح ببناء (مجمع فندقى تجارى وسكنى) وكانوا يملأون المنطقة أثناء إقامته بلافتاتٍ داعرةٍ مكتوبٍ عليها: سان ستيفانو مشروع صديق للبيئة.. والتهم هذا المشروعُ، صديق البيئة، الحدائقَ الواسعة التى كانت تحيط بالفندق القديم المكوَّن من طابقين، فقط، وكانت متنفَّساً لمنطقةٍ سكنيةٍ واسعةٍ تحيط بالفندق القديم ذى الطراز الإنجليزى. وعلى المساحة الهائلة، قام مبنى مهولٌ هو المعروف اليوم بفندق «فورسيزون» ومول «سان ستيفانو» وهو مبنى فاحش الفخامة، قمىء العمارة، سميته سابقاً فى مقالةٍ عنوانها (الوحش) نُشرت لى بجريدة الوفد قبل عدة سنوات.
سان ستيفانو في الستينيات. هدم في 2001 (من موقع aaha.ch)
 سان ستيفانو جراند بلازا: فندق وشقق سكنية ومجمع تجاري على شاطئ الإسكندرية (من موقع Hotel.com)

علاء خالد يكتب .. أمكنة: أغنياء ثورة

فوتوغرافيا: سلوى رشاد
نشرت في جريدة التحرير بتاريخ 6 أكتوبر 2012

فى أثناء مظاهرات ثورة يناير فى الإسكندرية، بعد أن تنفضّ المظاهرة ليلا، وننسلّ من الشوارع الرئيسية إلى بيوتنا فى الشوارع الجانبية، كنا نشاهد ونسمع أزيز خلاطات الأسمنت والزلط تعمل بكل طاقاتها، بينما البلدوزرات تهدم المبانى. كانت هناك نفوس أخرى لم تشغلها المظاهرات ولا الثورة، تجهد بكل ما أوتيت من قوة لكى تغتنم لحظة التحول السائبة، لتثبيت أقدامها، وعقاراتها، وضمائرها المخالفة، فى أرض المدينة. إنهم مثل هؤلاء الذين يستغلون الكوارث الطبيعية التى تحل بالمدن، كالزلازل، ويتمشون وسط الأنقاض يتشممون قطع الذهب والنقود، والأشياء النفيسة، ويخلِّصونها من بين أشياء الحياة اليومية للموتى. استغلوا ضوضاء المظاهرات ليمرروا ضوضاءهم، وضوضاء خلاطاتهم وبلدوزراتهم، دون حساب أو ضمير ينحنى لهذه الضوضاء الجماعية أو حتى ينصت إليها. حالة انتهاك مستمرة بدأت قبل الثورة، وأخذت مداها وسطوتها فى أثناء الثورة. كأن المعجزة التى حدثت كان لها سماسرة فى الانتظار. كأغنياء الحرب هم أغنياء الثورة الذين أثروا من هذا التحول، دون أن يشارك أحدهم فى التضحية، سوى التضحية المستقبلية بمئات الضحايا المنتظرين سكنى هذه العمارات المخالفة، التى أصبح سقوطها حدثا عاديا فى الإسكندرية. أصبح عمران وعمارة المدينة تحت سيطرة مقاولين لهم أتباع يلبسون جلابيب ويلفون لاسات بيضاء على رؤوسهم، ويخفون فى الجيب الداخلى للجلباب فردة سلاح. وآخرين بلباس مدنى حديث، يبيعون قوتهم لإرساء أشكال تخصهم فى العدل. أقصد حسنى النية منهم. هؤلاء متخصصون فى إخلاء أى مبنى وتطفيش سكانه بالتهديد، أو بإغراء المال، واستخراج تصريح هدمه. أو يحرسون تعلية مبنى مخالف، والسهر أمامه، وسط كركرة الجوزة، تحسبا لأى هجوم منتظر. أو تقويض أساسات مبنى أثرى بماء النار استعدادا لاستخراج تصريح بأنه آيل للسقوط. طبعا لا يحدث هذا إلا بالتواطؤ مع مسؤولى الأحياء، والشرطة، وغيرهم. أصبحت الإسكندرية مدينة مقسمة على عائلات مختصة فى حماية رأس المال الرهيب الذى يُستثمر فى العقارات المخالفة.
فى الشهر الماضى هُدم العقار الكائن فى 2 شارع كنيسة دبانة مع صلاح سالم (شريف سابقا). وهو الشارع المهم فى وسط البلد فى الإسكندرية. تكون ضفتاه متحفا مفتوحا للعمارة الإيطالية، ولم تتغير عمارته منذ ضرب الإسكندرية 1882، باستثناء إزالة مبنى الاتحاد الاشتراكى (البورصة القديمة) بعد حرقه فى مظاهرات الخبز عام 77. وتم إدراجه منذ 2007 فى قائمة التراث العمرانى لمدينة الإسكندرية، تحت رقم 63.
هدم المبنى ترك فراغا فى الشارع. كما يترك الضرس المخلوع فراغا تظل تتحسسه بلسانك باستمرار. لماذا لا يحدث كما فى الخارج، أن يحتفظوا بالواجهة المميزة للمبانى الآيلة للسقوط ويبنوا من خلفها، لحفظ عمارة الشارع. أو أن يتم تعويض أصحابها وتحويلها لمتاحف أو غيرها من النشاطات.
قبل هدم هذا المبنى مررنا عليه كثيرا، كأننا نودعه. كان مسيَّجًا بسرادق، كأنه سرادق عزاء، وهناك جريمة وميت، يريدون أن يواروه تحت التراب سريعا.