Building violations

عن أكشاك ميدان المنشية: خطاب مفتوح للسيد المحافظ

السيد المحترم/ محافظ الإسكندرية،
تحية طيبة، وبعد،،

لقد تواترت أخبار من مصادر متعددة في الفترة الأخيرة عن اعتزام محافظة الإسكندرية تحويل أجزاء من ميدان التحرير (ميدان المنشية) وميدان سانت كاترين (المنشية الصغيرة) وغيرهما من المناطق العامة المفتوحة بحي المنشية بوسط المدينة إلى أكشاك كمحاولة لاستيعاب جزء من أعداد الباعة الجائلين الذين يشغلون الآن هذه المناطق العامة بكثافة عالية وبدون وجه حق.

وإزاء هذا التوجه الخطير، نطالب سيادتكم باتخاذ اللازم بشأن وقف هذا القرار، وذلك لأسباب عديدة يمكن أن ذِكر أهمها هنا:

أولاً: من الناحية القانونية، ان هذا القرار يتعارض مع ما ورد بالباب الثانى بالقانون رقم 119 لسنة 2008 ولائحته التنفيذية فيما يخص استغلال المسطحات المفتوحة والمناطق التراثية والمناطق ذات القيمة المتميزة، لما يتضمنه انشاء هذه الأكشاك من تشويه للطابع العمراني لهذه المنطقة التاريخية

ثانيا: من الناحية التخطيطية، فإن هذا القرار من شأنه اهدار أجزاء من المناطق العامة المفتوحة بمركز مدينة الإسكندرية، وهي بالفعل شحيحة جدا كما تعلمون، ولا تتناسب اطلاقا مع الحقوق المتعارف عليها دوليا لسكان المدن في وجود أماكن عامة وحدائق ومتنزهات يحق لهم الخروج إليها واستخدامها بحرية ومساواة. نحن في حاجة إلى العمل على زيادة هذه المساحات المفتوحة وليس الاقتطاع منها بأي حال من الأحوال.
ومن ناحية أخرى، فإن زيادة الاستخدامات التجارية تزيد من مشكلة المرور بمنطقة مكتظة تعلمون حجم ما تعانيه من احتقان مروري نتيجة تعدد وتضارب استخداماتها وموقعها المركزي.

ثالثا: فيما يتعلق بقيمة الميدان ورمزيته، فلابد من التأكيد على أن ميدان المنشية ومحيطه العمراني يمثلان جزءا بالغ الأهمية من التاريخ الحديث لمدينتنا ولوطننا بما شهده من أحداث وطنية بارزة وبما يحيط به من مبانٍ تاريخية هامة. وهو بذلك يعتبر عنصرا هاما في وجدان وذاكرة المصريين جميعا، يليق بنا أن نرعاه ونبرزه للأجيال الجديدة لا أن نهدره وننقص من شأنه بإنشاء مثل هذه الأكشاك. 
الملك فاروق في 4 ديسمبر 1983: افتتاح النصب التذكاري للخديو اسماعيل بالميدان (الجندي المجهول الآن)
الرئيس جمال عبد الناصر في 26 يوليو 1956: خطاب تأميم قناة السويس 

رابعا: لقد قامت محافظة الإسكندرية بالفعل بتظيم مسابقة معمارية في عام 2012 لإعادة تخطيط وتصميم ميدان المنشية (ميدان التحرير وميدان عرابي) شارك فيها عدد كبير من المكاتب الاستشارية المصرية وقام بتحكيمها أساتذة أجلاء وخبراء وممثلون للمحافظة ولنقابة المهندسين، وقد أعلنت نتائج هذه المسابقة بشكل رسمي وفاز أحد المكاتب الاستشارية البارزة بالجائزة الأولى عن المخطط  الذي تقدم به والذي يوفر للميدان ومحيطه العمراني ما يليق به من استخدامات ومبان جديدة. إن هذا المخطط هو الأجدر بالتنفيذ وذلك لما قدمه من دراسات وحلول عمرانية جيدة جدا.
المشروع الفائز بالجائزة الأولى في مسابقة تطوير ميدان المنشية (جميع الحقوق محفوظة لمكتب Pacer Consultants)
خامسا: لو أننا فكرنا بشكل واقعي، فإن إقامة أكشاك للباعة الجائلين لن يقدم حلا كاملا ونهائيا لهذه المشكلة، فالأكشاك المزمع إقامتها لن تستوعب كل أعداد هؤلاء الباعة، وعند توفير أكشاك للموجودين الآن، سرعان ما سيحل آخرون محلهم، وستستمر المشكلة طالما استمرت نفس الظروف الاقتصادية والأمنية التي أدت إلى تفاقمها في المقام الأول. 

وأخيرا، يأتي السؤال المهم: لصالح من تدار المدينة؟ لصالح أفراد أم لصالح الجميع؟ إن أية قرارات تمس قطاعات كبيرة من سكان الإسكندرية بهذا الشكل لابد لها أن تراعي المصلحة العامة لكافة الفئات والأعمار والشرائح الاجتماعية، وليس فئة واحدة - مهما علا ضجيجها - تتسبب في مشكلات بوجودها في الشوارع والميادين بشكل غير قانوني. 

الباعة الجائلون هم جزء من سكان المدينة يستحق منا كل الاحترام والاهتمام والرعاية ولكن لن يتم ذلك إلا عن طريق حلول جادة وجذرية تدمجهم في منظومة اقتصادية حقيقية من شأنها أن ترتقي بهم وبمدينتهم، وليس عن طريق مُسكنات وحلول قصيرة النظر ستبقي على فقرهم وتهميشهم ولن تؤدي في النهاية إلا إلى تخريب البقية الباقية من عمارة وعمران المدينة. 

أما ميدان المنشية فلم ولن يكون سوقا للباعة الجائلين، وسيظل الميدان الأهم والأكبر والأقدم بالإسكندرية مهما بلغت درجة تدهوره وازدحامه في الوقت الحالي، وهو حيز عمراني عام مفتوح وملك لكل فرد من سكان هذه المدينة على حد سواء. فإن كان من الصعب أن تقوموا بحمايته وإعادة الحيوية إليه، فعلى الأقل لا تزيدوا من تفاقم مشكلاته وتشويهه.

وتفضلوابقبول فائق الاحترام،،

مفردات من قاموس تدمير المدينة (2):

الكاحول:

الكاحول (أوالكَحول، الجمع: كواحيل!) هو مصطلح سكندري يشير إلى الشخص الذي يوافق على استخدام اسمه في المستندات والأوراق الرسمية مثل عقود الملكية وشهادات الصلاحية وطلبات التراخيص لأعمال البناء المختلفة، كواجهة زائفة يتستر خلفها شخص أو أشخاص آخرون يقومون بمخالفات هدم و/أو بناء، وذلك مقابل مبلغ من المال. من ناحيته يوقع الكاحول على عقود أخرى صورية أو عرفية تضمن للمالك الحقيقي الاحتفاظ بممتلكاته في آخر الأمر (يطلق عليها "ورقة الضد"). بعد اكتشاف المخالفات (ان تم كشفها) قد يحاكم الكاحول ويسجن أو قد يقضي عمره هاربا من السلطات أو قد يمر كل شيء في سلام بعد تقديم الرشوة المناسبة للجهات المختصة، في الوقت الذي يستمر فيه عرض وحدات العقارات المخالفة للبيع بشكل شبه طبيعي ليجني المخالفون الفعليون أرباحا طائلة بعيدا عن طائلة القانون. 

ظاهرة الكاحول لا تقتصر على البناء فقط بل هي حيلة موجودة في كل مجال يمكن أن تدر فيه المخالفات أرباحا كبيرة، مثل قطاع التموين أو الوقود أو غيرهما. وهي تكشف عن حجم الظلم الاجتماعي والانسحاق الإنساني الذي يدفع البعض إلى اعلان مسئوليتهم وتقبل إدانتهم عن جرائم ستصل بهم إلى السجن مقابل المال. غير أن هذا الاستعداد لتقبل الإدانة هنا يدل أيضا على نظرة المجتمع بشكل عام لمفهوم المخالفات البنائية تحديدا، فهو يعتبرها نوعا من التحدي لقوانين واشتراطات أغلبها - في رأيه - متعسف والخروج عليها لن يلحق الأذي بالشرف مثل غيرها من الجرائم. هذه النظرة المجتمعية المتسامحة مع المخالفات البنائية أدت إلى استخفاف السلطات التنفيذية بالمشكلة وإلى تراخيها في تنفيذ الأحكام والقرارات المتعلقة بها، مما أسفر في آخر الأمر عن تفاقم أزمة المخالفات بشكل ربما أصبح مستعصيا على الحل.

الكل يعرف بالطبع مَن هو مالك العقار ومن هو الكاحول، فلماذا إذن تستمر هذه المسرحية؟ ستستمر طالما استمر المناخ الذي تنتصر فيه الحيل القانونية والفساد الإداري على القانون والعدالة.

بإسلوبه الساخر، كتب الراحل جلال عامر في إحدى مقالاته عن الكاحول في الحياة والسياسة: 
 ... فكرتنى بالحاج «سعيد» الله يرحمه، خال «التيحى» من أم تانية، كان طول النهار قاعد على ناصية الشارع يسلم على المارة (السلامو عليكو عليكم السلام.. السلامو عليكو عليكم السلام) حتى رشحناه لجائزة «نوبل» فى السلام، وكان كلما حضر الضابط وسأل (عربية مين اللى واقفه فى الممنوع؟) يرد الحاج سعيد (عربيتى)، (شقة مين المخالفة؟) (شقتى)، (الممنوعات دى بتاعة مين؟) (بتاعتى) فيسأله الضابط (هيه كل حاجة هنا بتاعتك؟)، فيرد الحاج سعيد (أصل أنا يا باشا «كاحول» الحارة)، فيهنئه الضابط ويسلم عليه ويقول له (أنت من «الكواحيل» يا سعيد).
عمارة بارتفاع 50 متر على شارع عرضه 6 أمتار - سابا باشا

مفردات من قاموس تدمير المدينة (1):

تأشيرة السيد المحافظ: 

هي توقيع صغير الحجم، كبير التأثير (والثمن؟!)، بيد السيد المحافظ، رأس السلطة التنفيذية في المدينة وحاكمها المحلي، يقوم بموجبه باستثناء منشآت وعقارات بعينها من الالتزام بالقانون (الذي أقسم على الحفاظ عليه) ومن التقيد باشتراطات البناء المقررة في محافظته (والتي وضعتها وأقرتها الأجهزة التخطيطية بمحافظته، بموافقته)، خاصة فيما يتعلق بالارتفاع الأقصى ونسبة البناء المسموح بهما.

يعلق الكاتب يوسف زيدان على أحد أهم أمثلة هذه الظاهرة الفريدة في مقال له نشر في جريدة «المصري اليوم» (١٨/ ٧/ ٢٠١٢)، جاء فيه:
ثم كانت الفاجعة الكبرى فى هذا السياق، عندما استطاعت إحدى شركات المقاولات الكبرى الشهيرة الحصول على تصريح ببناء (مجمع فندقى تجارى وسكنى) وكانوا يملأون المنطقة أثناء إقامته بلافتاتٍ داعرةٍ مكتوبٍ عليها: سان ستيفانو مشروع صديق للبيئة.. والتهم هذا المشروعُ، صديق البيئة، الحدائقَ الواسعة التى كانت تحيط بالفندق القديم المكوَّن من طابقين، فقط، وكانت متنفَّساً لمنطقةٍ سكنيةٍ واسعةٍ تحيط بالفندق القديم ذى الطراز الإنجليزى. وعلى المساحة الهائلة، قام مبنى مهولٌ هو المعروف اليوم بفندق «فورسيزون» ومول «سان ستيفانو» وهو مبنى فاحش الفخامة، قمىء العمارة، سميته سابقاً فى مقالةٍ عنوانها (الوحش) نُشرت لى بجريدة الوفد قبل عدة سنوات.
سان ستيفانو في الستينيات. هدم في 2001 (من موقع aaha.ch)
 سان ستيفانو جراند بلازا: فندق وشقق سكنية ومجمع تجاري على شاطئ الإسكندرية (من موقع Hotel.com)