Heritage list

سقوط الجدران الأخيرة

 حينما حاولت أن أكتب تعريفا للدور الذي أنشأت من أجله هذه المدونة لأكتبه تحت عنوان "عن هذه المدونة" ، لم أجد سوى هذه الكلمات:

«جدران مدينة متعبة» هي شهادة على وقت عصيب تمر به الإسكندرية.
"المدينة العريقة تحصد اليوم ثمار عقود طالت من الفساد والجهل وسوء الإدارة وإساءة التخطيط. بقدر المستطاع، تحاول «جدران مدينة متعبة» أن تقرأ معك بتأنٍ ما يحدث اليوم لمدينتك التي يزيد عمرها عن ألفي وثلاثمائة عام، حتى تتخذ أنت القرار: هل ستدافع عنها وعن تاريخها ومستقبلها أم ستتركها لجرافات الجهل والجشع؟"

الآن، في اللحظات التي أكتب فيها هذه الكلمات، تقوم فيها هذه الجرافات بهدم آخر جدران أحد أهم المباني التاريخية في الإسكندرية.. فيلا أجيون.

اهتمت المدونة بقضية الفيلا وتاريخها ورصدت أكثر من مرة محاولات هدمها، وكذلك في مبادرة «انقذوا الإسكندرية» تابعنا محاولات التعدي، ونظمنا وقفة احتجاجية أمامها كانت هي أكبر وأهم وقفاتنا. ونبهنا مؤخرا للأحكام القضائية التي صدرت بخصوصها.
لكنها الآن تهدم. بالقانون.

منذ مارس 2012 وهذه المدونة تبحث عن الإجابة: من سينتصر.. نحن أم جرافات الجهل والجشع؟

الإجابة الآن واضحة. 

صور: وقفة مبادرة «انقذوا الإسكندرية» أمام «فيلا شيكوريل»

المكان: أمام فيلا شيكوريل، شارع أبو قير وشارع أحمد شوقي، رشدي
الزمان: من الخامسة وحتى السابعة، 13 ديسمبر 2012
الحدث: وقفة احتجاجية دعت لها «مبادرة انقذوا الإسكندرية» اعتراضا على الاستعدادات الجارية لهدم الفيلا
المشاركون: مواطنون سكندريون يدافعون عن مدينتهم 

الصور بعدسة: محمد عادل دسوقي

اقرأ أيضا:

من جديد: انقذوا فيلا شيكوريل

من جديد.. يستعدون لهدم فيلا شيكوريل.
العمل يجري ليل نهار لإفراغ المبنى من محتوياته تمهيدا للهدم.
لا غرابة في ذلك، فكلما احتدمت الأحداث في وطننا، سارع "أغنياء الثورة" لهدم ما تبقى من مدينتنا..
فيلا شيكوريل تفرغ من محتوياتها ليل نهار تمهيدا لهدمها
أريد فقط أن أشير لنقطة هامة ربما لم يتسع الوقت لذكرها من قبل. الفيلا كانت خاصة بالخواجة شيكوريل وورثته، حتى جائت قوانين التأميم في الخمسينيات والستينيات وأممتها، أي نزعت ملكيتها، لتصبح مثل بقية ما تم تأميمه وقتئذ ملكا للدولة المصرية. بمعنى أنها الآن - بصرف النظر عن مدى أخلاقية أو شرعية هذا التأميم - أصبحت ملكا لي ولك ولسائر المصريين. في السبعينيات، كانت الفيلا مقرا تابعا لرئاسة الجمهورية. بل إن الرئيس السابق مبارك كان مقيما بها أثناء أحداث يناير 1977، أو انتفاضة الخبز، حين كان نائبا للسادات. وتجمع المتظاهرون أثناء هذه الانتفاضة أمام الفيلا وحاولوا أن يقتحموها كما يحكي الكثير من سكان المنطقة المحيطة بالفيلا. وأخيرا، في الثمانينيات، تمت إضافة دور ثالث للفيلا بشكل جيد جدا، بإشراف وتنفيذ القوات المسلحة المصرية.
من حقنا أن نتساءل كيف ومتى انتقلت ملكية الفيلا إلى الشركة العربية للملاحة البحرية؟ من باعها لهم؟ ملكيتهم مثبتة في أوراق القضايا التي أقاموها لرفع المبنى من قوائم التراث. 
هل أممت مصر أملاك مواطنيها والأجانب المقيمين فيها لتمنحها للشركة العربية للملاحة البحرية التي تسعى اليوم بكل طاقتها لهدم المبنى؟
مرة أخرى، أيها السادة، كيف أصبحت ملككم؟ 
(Association Chatou Notre Ville  فيلا شيكوريل في العشرينيات (من موقع  
شاركونا اليوم في هذه الوقفة، فربما ننقذ جزءا من مدينتنا. ربما.

اقرأ أيضا:

علاء خالد يكتب .. أمكنة: أغنياء ثورة

فوتوغرافيا: سلوى رشاد
نشرت في جريدة التحرير بتاريخ 6 أكتوبر 2012

فى أثناء مظاهرات ثورة يناير فى الإسكندرية، بعد أن تنفضّ المظاهرة ليلا، وننسلّ من الشوارع الرئيسية إلى بيوتنا فى الشوارع الجانبية، كنا نشاهد ونسمع أزيز خلاطات الأسمنت والزلط تعمل بكل طاقاتها، بينما البلدوزرات تهدم المبانى. كانت هناك نفوس أخرى لم تشغلها المظاهرات ولا الثورة، تجهد بكل ما أوتيت من قوة لكى تغتنم لحظة التحول السائبة، لتثبيت أقدامها، وعقاراتها، وضمائرها المخالفة، فى أرض المدينة. إنهم مثل هؤلاء الذين يستغلون الكوارث الطبيعية التى تحل بالمدن، كالزلازل، ويتمشون وسط الأنقاض يتشممون قطع الذهب والنقود، والأشياء النفيسة، ويخلِّصونها من بين أشياء الحياة اليومية للموتى. استغلوا ضوضاء المظاهرات ليمرروا ضوضاءهم، وضوضاء خلاطاتهم وبلدوزراتهم، دون حساب أو ضمير ينحنى لهذه الضوضاء الجماعية أو حتى ينصت إليها. حالة انتهاك مستمرة بدأت قبل الثورة، وأخذت مداها وسطوتها فى أثناء الثورة. كأن المعجزة التى حدثت كان لها سماسرة فى الانتظار. كأغنياء الحرب هم أغنياء الثورة الذين أثروا من هذا التحول، دون أن يشارك أحدهم فى التضحية، سوى التضحية المستقبلية بمئات الضحايا المنتظرين سكنى هذه العمارات المخالفة، التى أصبح سقوطها حدثا عاديا فى الإسكندرية. أصبح عمران وعمارة المدينة تحت سيطرة مقاولين لهم أتباع يلبسون جلابيب ويلفون لاسات بيضاء على رؤوسهم، ويخفون فى الجيب الداخلى للجلباب فردة سلاح. وآخرين بلباس مدنى حديث، يبيعون قوتهم لإرساء أشكال تخصهم فى العدل. أقصد حسنى النية منهم. هؤلاء متخصصون فى إخلاء أى مبنى وتطفيش سكانه بالتهديد، أو بإغراء المال، واستخراج تصريح هدمه. أو يحرسون تعلية مبنى مخالف، والسهر أمامه، وسط كركرة الجوزة، تحسبا لأى هجوم منتظر. أو تقويض أساسات مبنى أثرى بماء النار استعدادا لاستخراج تصريح بأنه آيل للسقوط. طبعا لا يحدث هذا إلا بالتواطؤ مع مسؤولى الأحياء، والشرطة، وغيرهم. أصبحت الإسكندرية مدينة مقسمة على عائلات مختصة فى حماية رأس المال الرهيب الذى يُستثمر فى العقارات المخالفة.
فى الشهر الماضى هُدم العقار الكائن فى 2 شارع كنيسة دبانة مع صلاح سالم (شريف سابقا). وهو الشارع المهم فى وسط البلد فى الإسكندرية. تكون ضفتاه متحفا مفتوحا للعمارة الإيطالية، ولم تتغير عمارته منذ ضرب الإسكندرية 1882، باستثناء إزالة مبنى الاتحاد الاشتراكى (البورصة القديمة) بعد حرقه فى مظاهرات الخبز عام 77. وتم إدراجه منذ 2007 فى قائمة التراث العمرانى لمدينة الإسكندرية، تحت رقم 63.
هدم المبنى ترك فراغا فى الشارع. كما يترك الضرس المخلوع فراغا تظل تتحسسه بلسانك باستمرار. لماذا لا يحدث كما فى الخارج، أن يحتفظوا بالواجهة المميزة للمبانى الآيلة للسقوط ويبنوا من خلفها، لحفظ عمارة الشارع. أو أن يتم تعويض أصحابها وتحويلها لمتاحف أو غيرها من النشاطات.
قبل هدم هذا المبنى مررنا عليه كثيرا، كأننا نودعه. كان مسيَّجًا بسرادق، كأنه سرادق عزاء، وهناك جريمة وميت، يريدون أن يواروه تحت التراب سريعا.

المجد للبلدوزر

عدسة: إيهاب زاهر
ضربة جديدة موجعة، جاءت هذه المرة، ولأول مرة، في واحد من أهم وأجمل شوارع المدينة المتعبة، شارع شريف (صلاح سالم)، تحديدا عند تقاطعه مع شارع «كنيسة دبانة».
إنه شارع شريف يا أهل الإسكندرية، الشارع الوحيد الذي لا يزال محتفظا ببعض رونق مدينتكم. الشارع الذي تبارى فيه معماريو القرن التاسع عشر والقرن العشرين في إظهار مهاراتهم، وفي احترام بعضهم البعض في الوقت ذاته، فجاءت كل مبانيه بنفس الارتفاع ونفس النسب، برغم الاختلاف في الطرز ومواد البناء.
شارع شريف (aaha.ch)
ها هي الضربة الأولى لعمارة هذا الشارع. فماذا أنتم فاعلون؟ 
عدسة: نور عمار
الضربة مختلفة هذه المرة، فلأول مرة تصل الجرافات لمثل هذا "الحجم" من الأبنية التاريخية.. لقد تم القضاء على الغالبية العظمى من الفيلات الفريدة والبيوت صغيرة الحجم بطول الإسكندرية وعرضها، وحان الآن دور العمارات السكنية القديمة... المجد للبلدوزر! 
بناية سكنية من أربعة أدوار من أقدم المباني الموجودة في هذا الشارع الفريد، من يتخيل أن مالكها سيتمكن من اخلاء جميع شقق الأدوار السكنية وجميع المحال التجارية، ثم يتمكن من الحصول على حكم قضائي مشفوع بتقارير خبراء وزارة العدل الذين رأوا أن المبنى آيل للسقوط ويتوجب هدمه حتى سطح الأرض، ثم يستخرج جميع التصاريح اللازمة، ويبدأ الهدم. 
عدسة: أحمد نبيل
كله بالقانون!
فإن أبديت استياءك وتساءلت كيف يكون المبنى آيلا للسقوط بينما يبدو سليما عفيا بلا شروخ أو تصدعات برغم قِدمه، بل وقد استغرق صاحبه نحو أسبوعين متواصلين يعمل على هدم جدرانه؟ فتجد من يغضب لما ترمي إليه، فيعلو صوته مدافعا عن القانون.. ويحك! كيف تجرؤ؟ انه القانون! حكم المحكمة!! والحكم عنوان الحقيقة!  
تمام!
أين القانون إذن من عشرات الآلاف من الأبراج المخالفة؟ أين القانون من هدم المباني المسجلة بقائمة التراث أمام مرأى ومسمع الجميع؟ 
ألا يطبق هذا القانون إلا في خراب المدينة فقط؟ 
.........!

سأتركك الآن لصور المبنى الذي رأى خبراء وزارة العدل أنه آيلا للسقوط وخطرا داهما على المارة، فهدمه صاحبه هذا الأسبوع... إنه العقار 2 شارع كنيسة دبانة، تقاطع شارع شريف باشا، والذي أدرج في 2007 في قائمة التراث العمراني لمدينة الإسكندرية، تحت رقم 63. 
ومكانه الآن أرض فضاء تنتظر مخالفة جديدة.
عدسة: إيهاب زاهر

عدسة: إيهاب زاهر
عدسة: ميرهان دمير
عدسة: محمد أبو الخير