‏إظهار الرسائل ذات التسميات هي فوضى؟. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات هي فوضى؟. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 18 يونيو 2014

عن فن المجال العام وفن المصالح الخاصة

إذن نحن في عهد جديد. وبعد التغيير الوزاري الذي أُجري منذ أيام، يقترب موعد حركة السادة المحافظين. أصحاب المعالي يترقبون ويتحركون. ولا بأس من تحركات أخيرة سريعة تخطف الأنظار.

"مشروع تطوير" جديد في الإسكندرية انتهى في أيام معدودات. مجموعة من المنحوتات والنوافير أقيمت على ثلاثة جزر متفرقة في نهر الشارع في قلب «محطة الرمل»، على مرمى البصر من تمثال سعد زغلول الشهير. اقترِب، وستخبرك اللوحة التذكارية بكل شيء: 
عدسة: عمرو علي
لماذا، حقا، تقام مثل هذه المشروعات؟ بداية، إن هذه النوعية من المشروعات يعود الفضل في استحداثها إلى المحافظ السابق/ اللواء (أيضا) عبد السلام المحجوب، وهي تتضمن أن تقيم المحافظة مشروعات شكلية في مناطق بارزة من المدينة لا تمثل حلولا لمشكلات الناس المزمنة بأي حال من الأحوال، مثل إقامة بعض المنحوتات أو النوافير أو إعادة طلاء بعض الأبنية أو مظلات محطات الترام بدون أن تدفع المحافظة نفسها مليما، بينما تتحمل تكاليف التنفيذ إحدى الشركات الخاصة بالمدينة، وبالأخص شركات المقاولات. حسنا، هل ستفعل هذه الشركات ذلك من منطلق الوطنية مثلا أوتقديم الخدمات للمجتمع وبلا مقابل؟ طبعا لا. بعض الشركات اكتفت بفرصة شِبه مجانية للدعاية، بأن تضع اسمها التجاري بشكل فج وبمواد بناء دائمة على الجداريات والنوافير والتماثيل. إنها دعاية أبدية لا تُزال وبمقابل مادي لا يذكر إن قورن بأسعار لافتات الدعاية المتغيرة. ثم أتى المقابل الأكبر أيضا في عهد اللواء المحجوب بموافقته الغريبة على إضافة أدوار استثنائية لما تقوم هذه الشركات الخاصة ببنائه من عمارات سكنية. وعندئذ بدأ السباق المحموم بين هذه الشركات. انهمك الجميع في أعمال كان بعضها في البداية يبدو معقولا، قبل أن يتحول الأمر إلى "سبوبة" هستيرية رخيصة.. أي شيء ملون في أي زاوية من زوايا المدينة، أو أي مظلة لمحطة ترام. أي شيء، وبأقصى سرعة.

وابتكر شركاء هذه "السبوبة" مصطلحا جديدا لن تجده في أدبيات أو قواميس العمارة أو التصميم العمراني في أي مكان في العالم، وهو مصطلح "تجميل المدينة"، بل وأُنشئ في عهد المحجوب جهاز خاص لأعمال "التجميل". المتخصصون في الشرق والغرب دائما يتحدثون ويبحثون في مجالات "الارتقاء العمراني" أو "إعادة الاستخدام" أو "التنمية المستدامة" أو"رفع كفاءة الخدمات والبِنَى التحتية" وغيرها الكثير، بينما نحن نرفع شعار "التجميل". المصطلح نفسه يحمل ما يكفي من دلالات، فأنت لا تعالج أمراضا استشرت في جسد المدينة، بل تنفق فقط على إضافة بعض المساحيق التجميلية الرخيصة لتختبئ وراءها الأعراض، ويبدو كل شئ على ما يرام، حتى تمر فترة المحافظ على خير.

أنفقت بالفعل أموال ضخمة على هذا النوع من المشروعات في فترة قصيرة جدا. ولما لا والمعادلة بسيطة: ضع أي عمل "تجميلي" في أحد شوارع المدينة، استعن في ذلك بالأرخص دائما، سواء من البشر أو الحجر، بحيث لا تتجاوز تكلفته عشرات الآلاف من الجنيهات، واحصل في المقابل على استثناء ببناء أدوار مخالفة للقانون تجني من ورائها الملايين. ولذلك لابد من التأكيد على أن الفضل الأول في فكرة بناء أدوار إضافية بالمخالفة الصريحة للقانون يرجع بلا شك إلى عهد السيد اللواء المحافظ عبد السلام المحجوب الذي خرق القانون بنفسه وبمنتهي البساطة وسط تصفيق الجميع "لإنجازاته"، وفتح بذلك أبواب الجحيم العمراني الذي يوشك الآن أن يقضي تماما على جودة الحياة في المدينة.

جاء المشروع المسمى بـ«مشروع تطوير ميادين محطة الرمل» كنموذج مثالي على هذه النوعية من المشاريع الشكلية. تصميم سيء لا ينتمي لأفكار فنون المجال العام (أو الفن العام public art) بمفاهيمه المعاصرة بأي صلة. ففن المجال العام فن هدفه الناس، يداعب خيالهم وذاكرتهم ويخاطب قيمهم بكل الأشكال والوسائط الممكنة، يهتم من يقيمونه بالمتلقي أولا، كيف يقرأ العمل الفني وكيف يتفاعل معه بشكل إيجابي. أما العمل الذي نتحدث عنه هنا فليس موجه للناس بأي حال من الأحوال. أي متلقي وأي فن؟ إنه عمل دعائي مُتنكِر، يحقق من خلاله أصحاب الشأن مصالح شخصية ضيقة، لا حساب فيها لرجل الشارع واحتياجاته وتطلعاته أو لجودة العمل الفني. 

لم يأت «مشروع تطوير ميادين محطة الرمل» بأي جديد، بل تكرار ممجوج لفكرة الاحتفاء ببعض الشخصيات السكندرية التاريخة. وضعت لهذه الشخصيات تماثيل وجهية ونصفية ذات لون ذهبي فج بلا طراز أو مدرسة نحتية تجمعها، وبلا أي منطق أو ترتيب مفهوم، بين عدد من الأعمدة الكلاسيكية القزمية في تصميم مثير للشفقة لا يحمل أي خيال أو ابتكار. التماثيل صنعت في عجالة وبدا بعضها كتمارين أسبوعية لطلبة السنوات الأولى بقسم النحت بكلية الفنون الجميلة، وبشكل لا يليق لا بمقام الشخصيات التاريخية المُحتفَى بها ولا بقيمة منطقة محطة الرمل التي تحمل بين جنباتها طبقات عدة من تاريخ الإسكندرية. هل تصادف أن رأى من أقاموا هذه المنحوتات أعمالا خالدة أخرى بالإسكندرية قام بنحتها عمالقة مثل الفرنسي چاكومار (تمثال محمد علي باشا، 1873) أو الإيطالي بييترو كانونيكا (تمثال اسماعيل باشا، 1936) أو المصريان محمود مختار (تمثال سعد زغلول، 1932) وفتحي محمود (تمثال أسطورة أوروبا، 1968)؟ وبعيدا عن الأفكار المستهلكة والخيال الفقير، جاء تنفيذ المشروع أيضا بنفس درجة الركاكة سواء من حيث اختيار مواد البناء والتشطيب أو حتى نوعية النجيل الأخضر المستخدم.
عدسة: عمرو علي
الآن دعنا نتساءل عن المقابل: لماذ تقوم شركة «ستانلي» بإقامة هذا "المشروع"؟ هل تذكرون أولا من هي شركة «ستانلي»؟ انها الشركة التي هدمت «سينما ريالتو» بدون ترخيص في أبريل 2013، تحت دعوى "إعادة التطوير". هل تمت محاسبتهم وفق القانون؟ لا. هل تم وضعهم على قوائم سوداء باعتبارهم أحد من أساؤوا للمدينة؟ طبعا لا. في المقابل، هل رأيت الكيفية التي وضع عليها اسم الشركة محفورا في الرخام، باللونين الأسود والأحمر في أجزاء "المشروع" المختلفة؟ كم شخص سيمر ويقرأ اسم الشركة بارزا زاعقا بهذا الشكل كل يوم؟ كم ثمن هذه الدعاية بمعايير سوق الإعلان اليوم؟ والأهم، من سمح للقائمين على أمر المدينة بأن يهبوا جزءا أصيلا منها، هو في الحقيقة مكانا ومجالا عاما يملكه سكانها جميعا، لشركة مقاولات لها تاريخ من المخالفات، لتضع عليه رايتها بهذا الشكل الفج؟
  
عدسة: عمرو علي
ونريد أخيرا أن نعرف أيضا، هل ستنال الشركة أي استثناءات أخرى من قانون البناء المسكين في مقابل هذا العمل الرديء؟ ولماذا لا يعلن السيد محافظ الإسكندرية عن تفاصيل الاتفاق/الصفقة التي تم عقدها مع الشركة بشفافية حتى نعرف جميعا الثمن الحقيقي لهذه النوعية من المشروعات؟ هذا حق كل مواطن يعيش على أرض هذا الوطن. لا يصح أبدا أن نعرف الإجابة على هذا السؤال بعد أن يصبح المقابل غير المعلن أمرا واقعا: بناء آخر ومخالفة أخرى هي جرح جديد في جسد هذه المدينة المتعَبة.


كل الشكر لـعمرو علي لسماحه باستخدام لقطاته.

الأربعاء، 5 فبراير 2014

سقوط الجدران الأخيرة

 حينما حاولت أن أكتب تعريفا للدور الذي أنشأت من أجله هذه المدونة لأكتبه تحت عنوان "عن هذه المدونة" ، لم أجد سوى هذه الكلمات:

«جدران مدينة متعبة» هي شهادة على وقت عصيب تمر به الإسكندرية.
"المدينة العريقة تحصد اليوم ثمار عقود طالت من الفساد والجهل وسوء الإدارة وإساءة التخطيط. بقدر المستطاع، تحاول «جدران مدينة متعبة» أن تقرأ معك بتأنٍ ما يحدث اليوم لمدينتك التي يزيد عمرها عن ألفي وثلاثمائة عام، حتى تتخذ أنت القرار: هل ستدافع عنها وعن تاريخها ومستقبلها أم ستتركها لجرافات الجهل والجشع؟"

الآن، في اللحظات التي أكتب فيها هذه الكلمات، تقوم فيها هذه الجرافات بهدم آخر جدران أحد أهم المباني التاريخية في الإسكندرية.. فيلا أجيون.

اهتمت المدونة بقضية الفيلا وتاريخها ورصدت أكثر من مرة محاولات هدمها، وكذلك في مبادرة «انقذوا الإسكندرية» تابعنا محاولات التعدي، ونظمنا وقفة احتجاجية أمامها كانت هي أكبر وأهم وقفاتنا. ونبهنا مؤخرا للأحكام القضائية التي صدرت بخصوصها.
لكنها الآن تهدم. بالقانون.

منذ مارس 2012 وهذه المدونة تبحث عن الإجابة: من سينتصر.. نحن أم جرافات الجهل والجشع؟

الإجابة الآن واضحة. 

الاثنين، 22 أبريل 2013

وقائع اختفاء «سينما ريالتو»

وكأنه نفس المشهد السينمائي الحزين..
في فيلمه الرائع «سينما باراديزو الجديدة» (1988) "Nuovo Cinema Paradiso" يصور لنا المخرج الإيطالي «جيوزبي تورنَتوري» كيف ارتبطت طفولة بطله بسينما القرية التي ولد بها، سينما باراديزو (بالإيطالية: الجنّة)، وكيف تشكل وجدانه بين جدرانها العالية. في الفيلم، يعود البطل بعد ثلاثين عاما لقريته ليشهد وقائع هدم سينما باراديزو بنفسه، بعد أن تقرر استبدالها بموقف للسيارات. في مشهد بالغ الصدق، يلتف أهل القرية حول دار السينما العتيقة، يعلو صوت التفجير مدويا، ثم تتهاوى الجدران وسط سحابة كثيفة من الغبار. ومع الجدران التي لوحتها الشمس لعقود طويلة تتهاوى كذلك الذكريات والأحلام.



وكأنه نفس المشهد. اليوم في الإسكندرية، المدينة التي شهدت أول عرض سينمائي في مصر (1896)، وأول دار سينما (1897)، وأول تصوير للقطات سينمائية (1897)، وأول ستوديو سينمائي مصري (1907)، وأول مجلة سينمائية (1919)، تهدم واحدة من  دور السينما التاريخية. خطوة جديدة في سباقنا المحموم نحو محو تاريخنا وذاكرتنا.
من جديد، تفقد الإسكندرية دار سينما أخرى. واليوم كان الدور على «سينما ريالتو».
«سينما ريالتو» : من أعمال الفنانة كاميل فوكس (camillefoxart.com)
«ريالتو».. 36 شارع صفية زغلول، محطة الرمل. عنوان طالما قصده سكان الإسكندرية لعقود طويلة لمشاهدة الأفلام الجديدة.. 666 مقعد بالصالة، 439 بلكون، و20 لوج، أي 1205 نافذة كانت تفتح يوميا للخيال والسعادة والذكريات، ثلاثة أو أربعة مرات كل يوم، طوال العام.
موقع «سينما ريالتو» (1938)
نعم، بالفعل أطاح البلدوزر اليوم بما تبقى من مبنى السينما، لكن، في حقيقة الأمر، ان اختفاء «ريالتو» بدأ قبل اليوم بكثير. فمثلها مثل آلاف الأبنية التاريخية في الإسكندرية، تُركت عمدا فريسة للإهمال والإضافات والتشويهات وفشل الإدارة والقوانين، قبل أن تظهر فجأة إحدى شركات "الاستثمار العقاري" لتشتريها وتهدمها وتستبدلها بما تيسر لها من مبانٍ دميمة تقضي على ما بقي من ملامح المدينة، وتزيد من اختناق شوارعها. في حالتنا هذه، أعلنت شركة الاستثمار العقاري انها ستقوم "بتطوير" السينما. وضعوا لافتة كبيرة تقول "ريالتو تولد من جديد!" (Rialto Re-born)، وبالطبع لكي تولد من جديد، كان لابد من قتلها أولا!
 طالع الآن موقع الشركة الذي سيخبرك، بلغة انجليزية ركيكة، عن «ريالتو مول» والذي سيضم "اختيارات متنوعة من الأزياء المتميزة، والمستلزمات المنزلية، والمحلات الحديثة، بما في ذلك سينما متعددة الشاشات، ومجموعة مطاعم (food court) عالمية مثيرة للإعجاب، ومساحات تجارية للبنوك، تقع بميدان محطة الرمل". هل سيتحمل شارع صفية زغلول كل هذا؟!
بدأ الهدم الفعلي منذ نحو شهر. واتبعت الشركة المذكورة أسلوبا شديد المراوغة، فقد أعلنوا أنهم سيطورون المبنى، وبالفعل أزالوا أجزاءه من الداخل فقط وتركوا واجهاته، فظننا أنهم سيكتفون بتقسيم المبنى من الداخل فقط، وهو أسلوب متعارف عليه في التعامل مع بعض حالات المباني التاريخية. وقد جرى بالفعل تقسيم دور سينما شهيرة من قبل بالإسكندرية إلى قاعات أصغر، مثلما حدث في سينمات «مترو» و«أمير» و«رويال»، وإن تفاوتت جودة التعامل المعماري في كل حالة.
صالة سينما ريالتو الداخلية بعد بدء الهدم - عدسة رنا المحلاوي
في هذا الفيلم القصير، سجل محمد نبيل وغادة عصام وسارة سويدان كيف "تولد ريالتو من جديد!". في اللقطات المتلاحقة، نستطيع أن نرى الصالة الرئيسية بزخارفها المميزة والسلم الذي كان يؤدي إلى "البلكون" بينما يواصل عمال الهدم مهمتهم بإخلاص.

لكن الشركة المذكورة باغتت الجميع اليوم وأطاحت بالمبنى بالكامل، بلا أي مقدمات. والمبنى للأسف لم يدرج بقائمة التراث الحالية. كان مدرجا فقط بقائمة التراث التي أعدت في 1999 ولم تعد سارية اليوم. 
هدم «سينما ريالتو» بالكامل - عدسة شهاب الدين مصطفى
هدمت «ريالتو»، وهي ليست السينما الأولى، ولن تكون الأخيرة. اقرأ معي ما كتبه الأديب إبراهيم عبد المجيد عن سينمات الإسكندرية في إحدى مقالاته في 2006:
في نهاية الصيف الماضي وأنا أمشي في شارع فؤاد لاحظت إغلاق سينما فؤاد وسينما بلازا. ثم في زيارة تالية لاحظت حركة في سينما فؤاد لإعدادها لتكون "مسرح أفراح" وعرفت أن ذلك سيحدث أيضا مع سينما بلازا. وانقبض قلبي  كما حدث من قبل مع كل سينما يتم إغلاقها في الإسكندرية. من زمان وأنا أعرف أن هدم السينمات في كل البلاد العربية عملية مخططة، ليست عشوائية أبدا، وراءها بعض رجال الأعمال الجشعين الذين أرادوا الاستفادة من المكان لبناء عمارات أو أنشطة تجارية أكثر ربحا، والأهم أن وراءها أفكارا رجعية ترى فن السينما حراما لا نعرف نحن مصدر تحريمه. هؤلاء الذين فعلوا ذلك لم يعرفوا بالطبع أن شخصا مثلي سوف يتألم لسبب شخصي جدا هو أنه في هذه السينمات تلقى أول دروسه في التخيل وقيمته. وأنهم حرموا طوائف الشعب من أجمل متعة احتفالية، فرؤية الأفلام في السينما أمتع وأعظم من رؤيتها في التليفزيون، لأنه في السينما أنت تشاهد الفيلم ضمن طقس احتفالي كبير يشاركك فيه مئات الناس, وضمن صمت جليل يليق بالفن، وضمن توحيد عميق مع الجماعة من النظارة (...) كم دارا للسينما تم هدمها في الإسكندرية؟ أكثر من ثلاثين دار. ابتداءا من سينما النصر الصيفي في الدخيلة زمان إلى سينما المنتزة الصيفي مرورا بسينما الهلال بالقباري، وسينما الجمهورية براغب وسينما ستار بمحطة مصر وسينما التتويج وريتس والهمبرا والكوزمو والشرق وبارك وماجيستيك بالمنشية ومحطة الرمل، وسينما قيس وسينما ليلى بباكوس وسينما سبورتنج ولاجيتيه وأوديون وغيرهما من سينمات الدرجة الثانية والثالثة. هدمت هذه السينمات وتحولت إلى عمارات أو مولات أو تحولت إلى ورش ومخازن.."
في النهاية، لن نكف أبدا عن التذكير بأهمية تراث الإسكندرية العمراني، سواء لأسباب تاريخية وثقافية بالغة الأهمية لارتباطه بهوية سكان المدينة وذاكرتهم الجمعية وعلاقتهم التبادلية معها، أو لأسباب اقتصادية وسياحية حيث تعتمد مدن العالم على ما تملك من ملامح تاريخية باعتبارها مقومات تسويقية جاذبة للسياحة تدر عليها ملايين الدولارات سنويا، أو لأسباب نفعية ووظيفية بحتة حيث لم تعد الإسكندرية تتحمل أي مزيد من الإضافات والكثافات مع مرافقها المتهالكة وشبكة طرقها الدقيقة.
رفقا بمدينتنا المتعبة.
ووداعا سينما «ريالتو».

السبت، 12 يناير 2013

عن وأد التاريخ .. والتعايش معه

(1) 

الإسكندرية واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم. وبرغم تاريخها الممتد لن تستطيع اليوم أن ترى أكثر ما بناه أهل الإسكندرية عبر هذا التاريخ. في النصف الأول من القرن التاسع عشر ومع ازدهار المدينة بسبب سياسات محمد علي باشا، بدأ أيضا الاهتمام بآثارها. وسرعان ما أصبح لها متحفٌ عظيم يضم ما يتم الكشف عنه من آثار بطلمية ورومانية.
لكنك ستندهش لا محالة إذا عرفت أن اكتشاف «المسرح الروماني» بـ«كوم الدكة» في بداية الستينيات هو آخر المواقع الأثرية التي اكتشفت بمركز مدينة الإسكندرية. لقد توقفت الاكتشافات المتوالية تماما منذ هذا التاريخ! 
غريبة، صح؟ لا يمكنك أيضا أن تتجاهل حقيقة أن توقف الاكتشافات منذ خمسين عاما يتزامن بشكل واضح مع بدايات التدهور العمراني والتردي المعماري بالمدينة. في الحقيقة لا يمكن فصل الظاهرتين. انهما وجهان لقضية واحدة. 
في كتابه «إعادة اكتشاف الإسكندرية» (1998) Alexandria Rediscovered تعرض الأثري الفرنسي الشهير «جان ايف اُمبرور» لمشاكل الآثار في الإسكندرية، المدينة التي قضى بها عقودا باحثا عن الآثار تحت أرضها وتحت ماء بحرها. سأترجم هنا ما كتبه «امبرور» في مقدمة الكتاب منذ 15 عاما:
"بالمقارنة مع حفنة المواقع الأثرية التي يمكن رؤيتها اليوم، لقد اختفى عدد آخر هائل من المواقع للأبد، على الرغم من إخلاص وحماس كل الأثريين الذين تعاقبوا على إدارة المتحف اليوناني الروماني. المديرون الإيطاليون والانجليز ثم المصريون أبدوا جميعا شغفا حقيقيا بمدينتهم. لكنها كانت معركة خاسرة، وأجدني مضطرا للاعتراف أن الأمر يزداد سوءا: فحركة إعادة البناء بمركز المدينة، والتي تجعل الإسكندرية واحدة من أكبر التجمعات الحضرية حول البحر المتوسط، تضمنت تضحيات لا يمكن تعويضها، والوتيرة تتسارع. في السنوات الأربعين أو الخمسين السابقة لم يتم الحفاظ ولو على موقع أثري واحد، فموقع كوم الدكة (المسرح الروماني) كان الأخير. لقد تم انقاذه في بداية الستينيات ثم أجريت به حفريات بأسلوب خبير ومنهجي بواسطة فريق بولندي. وهو الرئة الخضراء لوسط المدينة. وبعيدا عن كونه بقعة خضراء، فقد أصبح مزارا سياحيا يجذب آلاف الزوار كل عام. لا يمكن للمرء إلا أن يأسف أن هذا المثال لم يحتذى بعد ذلك."
المسرح الروماني بكوم الدكة - ويكيبيديا
حسنا، هل يعلم أحد اذن الحجم الحقيقي لما تم اخفاؤه أوردمه أوتحطيمه من اكتشافات أثرية أثناء عمليات الحفر لإنشاء مباني جديدة في الإسكندرية في العقود الخمسة الأخيرة؟
هل يستطيع أحد أن ينفي ما تتناقله الأجيال المختلفة من سكان الإسكندرية عن هذه الجرائم؟ كم تمثال تم تحطيمه عند اكتشافه في مناطق مختلفة من المدينة كي لا تصادر «الآثار» الأراضي؟ ما عدد الصهاريج والأنفاق والأقبية الأثرية التي تمت تغطيها وملؤها بالخرسانة لتختفي للأبد تفاديا للمصادرة؟

هل سمعت مثلي مثلا بما حدث في «عمارات الضباط» في الثمانينيات؟ المعلومات الشفاهية تجزم بوجود اكتشافات مذهلة ظهرت بالفعل أثناء انشاء العمارات بمنطقة «مصطفى كامل» وتم ردمها بالكامل تحت أساسات العمارات بأوامر مباشرة من المشير «عبد الحليم أبو غزالة» وزير الدفاع في ذلك الوقت. موقع العمارات في الأصل كان موقعا متسعا تشغله ثكنات كانت تابعة للجيش الإنجليزي والتي أصبحت فيما بعد تابعة للجيش المصري، قبل أن يتحول فجأة - بقدرة قادر- من موقع عسكري إلى مشروع سكني تعاوني لضباط القوات المسلحة هو الأضخم من نوعه في الإسكندرية. 
ثكنات «مصطفى كامل» في النصف الأول من القرن العشرين (aaha.ch) و«عمارات الضباط» اليوم بنفس الموقع (panoramio.com)
على حدود «العمارات» تقع واحدة من أهم المقابر البطلمية في الإسكندرية، وهي مقابر «مصطفى كامل» التي تعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد، والتي تم اكتشافها بالطبع قبل الستينيات، تحديدا في عام 1933، عندما بدأت تسوية هذا الجزء من الموقع تمهيدا لإقامة ملعب لكرة القدم. السوال الآن هو: كم موقع أثري آخرتم تدميره ودفنه تحت أساسات هذه الأبراج السكنية؟
مقابر «مصطفى كامل» (Alexandria Rediscovered) وموقعها على أطراف عمارات الضباط (Google Earth). 
(2) 
ولكن كيف تعامل سكان ومعماريو الإسكندرية مع آثار مدينتهم قبل "عصر وأد التاريخ"؟ دعنا نتأمل بعضا من أمثلة هذا التعامل العملي مع الآثار.
في العشرينيات من القرن العشرين قام المعماري «فلاديمير نيكوزوف بك» Wladimir Nicohosoff Bey بتصميم استاد البلدية على قطعة أرض تبرعت بها بلدية الإسكندرية شرق حي «كوم الدكة»، وذلك برعاية «أنجِلو بولاناكي» Angelo Bolanaki، اليوناني السكندري الذي كان يطمح في إقامة دورة الألعاب الأولمبية لعام 1916 في الإسكندرية، وهو ما لم يحدث للأسف، لكنه تمكن فيما بعد من جمع ما يكفي لبناء مبنى استاد يتسع لـ 22 ألف متفرج، هو الأول من نوعه في مصر، وقامت شركة المقاولات الإيطالية Dentamaro & Cartareggia بتشييده، وتم افتتاحه في 1929 في احتفالات مبهرة حضرها أفراد من العائلة الملكية المصرية، ليصبح بذلك واحدا من أهم وأجمل استادات العالم في ذلك الوقت.
استاد البلدية (عن صفحة أهل مصر زمان على فيسبوك)
الموقع الذي وفرته البلدية كان يحتوي على أجزاء من أسوار الإسكندرية القديمة. فكيف تعامل «نيكوزوف بك» مع السور الأثري؟ لقد حافظ على ماتبقى من السور ودمجه في الغلاف الخارجي لمبنى الاستاد في مزيج مبتكر. لقد حافظ على الأثر القديم ولم يتخلى عن احتياجات المبنى الجديد. 

كذلك فعل المهندس البلجيكي «مونفرون بك» Monfront Bey مدير الحدائق والتشجير ببلدية الإسكندرية الذي صمم «حدائق البلدية» (الآن حدائق الشلالات) عندما أبقى على الأسوار العتيقة داخل الحديقة كجزء من التصميم، الأمر الذي أضفى على الحدائق مظهرا تصويريا picturesque فريدا.
حدائق البلدية (من كتاب Vintage Alexandria)
جزء من أسوار الإسكندرية التاريخية بحدائق الشلالات كما تبدو اليوم (عدسة محمد عادل دسوقي)
لم يقتصر هذا المسلك فقط على المباني العامة والحدائق، بل لدينا أمثلة رائعة أيضا في المباني السكنية. من يصدق أن يعثر ملّاك احدى الأراضي على صهريج أثري بأرضهم في بداية القرن العشرين، فيبنون عمارة سكنية كاملة فوق الصهريج، ويتمكن مصمم العمارة من استيعاب المنشأ الأثري في تصميمه، ويضع مدخلا يؤدي له، فيصبح بعد سنوات عديدة مخبأً أوى إليه سكان هذه العمارة وجيرانهم للاحتماء من الغارات الجوية أثناء الحرب العالمية الثانية بعد أن قامت البلدية بتجهيز الصهريج ليقوم بوظيفته الجديدة كمخبأ. هل تصدق هذا؟ من أهم هذه الأمثلة عمارتي «تورييل» المشيدتان فوق «صهريج صفوان» بشارع فؤاد.
«عمارتا تورييل Toriel Buildings» بشارع فؤاد (عدسة د. ميشيل حنا من موقع Panoramio) ومسقط أفقي لصهريج صفوان الذي لا يزال موجودا أسفلهما (عن موقع مركز الدراسات السكندرية)
صهريج ابن بطوطة: أحد الصهاريج التي استخدمت كمخابئ أثناء الحرب العالمية الثانية (عن كتاب Alexandria Rediscovered)
حدث ذلك في الإسكندرية في العشرينيات والثلاثينيات، أي قبل أن يتأسس مفهوم "التراث الثقافي" cultural heritage ومفهوم "الحفاظ" conservation بعدة عقود. اليوم، وقد ترسخت هذه المفاهيم وأوجدت شعوب العالم آليات مختلفة للحفاظ على مدنها التاريخية واستثمار تراثها بشتى الطرق، نقوم نحن بهدم آثارنا ودفن تاريخنا تحت أساسات أبنيتنا القبيحة التي تتكاثر يوما بعد يوم. 

الجمعة، 14 ديسمبر 2012

صور: وقفة مبادرة «انقذوا الإسكندرية» أمام «فيلا شيكوريل»

المكان: أمام فيلا شيكوريل، شارع أبو قير وشارع أحمد شوقي، رشدي
الزمان: من الخامسة وحتى السابعة، 13 ديسمبر 2012
الحدث: وقفة احتجاجية دعت لها «مبادرة انقذوا الإسكندرية» اعتراضا على الاستعدادات الجارية لهدم الفيلا
المشاركون: مواطنون سكندريون يدافعون عن مدينتهم 

الصور بعدسة: محمد عادل دسوقي

اقرأ أيضا:

الخميس، 13 ديسمبر 2012

من جديد: انقذوا فيلا شيكوريل

من جديد.. يستعدون لهدم فيلا شيكوريل.
العمل يجري ليل نهار لإفراغ المبنى من محتوياته تمهيدا للهدم.
لا غرابة في ذلك، فكلما احتدمت الأحداث في وطننا، سارع "أغنياء الثورة" لهدم ما تبقى من مدينتنا..
فيلا شيكوريل تفرغ من محتوياتها ليل نهار تمهيدا لهدمها
أريد فقط أن أشير لنقطة هامة ربما لم يتسع الوقت لذكرها من قبل. الفيلا كانت خاصة بالخواجة شيكوريل وورثته، حتى جائت قوانين التأميم في الخمسينيات والستينيات وأممتها، أي نزعت ملكيتها، لتصبح مثل بقية ما تم تأميمه وقتئذ ملكا للدولة المصرية. بمعنى أنها الآن - بصرف النظر عن مدى أخلاقية أو شرعية هذا التأميم - أصبحت ملكا لي ولك ولسائر المصريين. في السبعينيات، كانت الفيلا مقرا تابعا لرئاسة الجمهورية. بل إن الرئيس السابق مبارك كان مقيما بها أثناء أحداث يناير 1977، أو انتفاضة الخبز، حين كان نائبا للسادات. وتجمع المتظاهرون أثناء هذه الانتفاضة أمام الفيلا وحاولوا أن يقتحموها كما يحكي الكثير من سكان المنطقة المحيطة بالفيلا. وأخيرا، في الثمانينيات، تمت إضافة دور ثالث للفيلا بشكل جيد جدا، بإشراف وتنفيذ القوات المسلحة المصرية.
من حقنا أن نتساءل كيف ومتى انتقلت ملكية الفيلا إلى الشركة العربية للملاحة البحرية؟ من باعها لهم؟ ملكيتهم مثبتة في أوراق القضايا التي أقاموها لرفع المبنى من قوائم التراث. 
هل أممت مصر أملاك مواطنيها والأجانب المقيمين فيها لتمنحها للشركة العربية للملاحة البحرية التي تسعى اليوم بكل طاقتها لهدم المبنى؟
مرة أخرى، أيها السادة، كيف أصبحت ملككم؟ 
(Association Chatou Notre Ville  فيلا شيكوريل في العشرينيات (من موقع  
شاركونا اليوم في هذه الوقفة، فربما ننقذ جزءا من مدينتنا. ربما.

اقرأ أيضا:

الأحد، 2 ديسمبر 2012

مفردات من قاموس تدمير المدينة (2):

الكاحول:

الكاحول (أوالكَحول، الجمع: كواحيل!) هو مصطلح سكندري يشير إلى الشخص الذي يوافق على استخدام اسمه في المستندات والأوراق الرسمية مثل عقود الملكية وشهادات الصلاحية وطلبات التراخيص لأعمال البناء المختلفة، كواجهة زائفة يتستر خلفها شخص أو أشخاص آخرون يقومون بمخالفات هدم و/أو بناء، وذلك مقابل مبلغ من المال. من ناحيته يوقع الكاحول على عقود أخرى صورية أو عرفية تضمن للمالك الحقيقي الاحتفاظ بممتلكاته في آخر الأمر (يطلق عليها "ورقة الضد"). بعد اكتشاف المخالفات (ان تم كشفها) قد يحاكم الكاحول ويسجن أو قد يقضي عمره هاربا من السلطات أو قد يمر كل شيء في سلام بعد تقديم الرشوة المناسبة للجهات المختصة، في الوقت الذي يستمر فيه عرض وحدات العقارات المخالفة للبيع بشكل شبه طبيعي ليجني المخالفون الفعليون أرباحا طائلة بعيدا عن طائلة القانون. 

ظاهرة الكاحول لا تقتصر على البناء فقط بل هي حيلة موجودة في كل مجال يمكن أن تدر فيه المخالفات أرباحا كبيرة، مثل قطاع التموين أو الوقود أو غيرهما. وهي تكشف عن حجم الظلم الاجتماعي والانسحاق الإنساني الذي يدفع البعض إلى اعلان مسئوليتهم وتقبل إدانتهم عن جرائم ستصل بهم إلى السجن مقابل المال. غير أن هذا الاستعداد لتقبل الإدانة هنا يدل أيضا على نظرة المجتمع بشكل عام لمفهوم المخالفات البنائية تحديدا، فهو يعتبرها نوعا من التحدي لقوانين واشتراطات أغلبها - في رأيه - متعسف والخروج عليها لن يلحق الأذي بالشرف مثل غيرها من الجرائم. هذه النظرة المجتمعية المتسامحة مع المخالفات البنائية أدت إلى استخفاف السلطات التنفيذية بالمشكلة وإلى تراخيها في تنفيذ الأحكام والقرارات المتعلقة بها، مما أسفر في آخر الأمر عن تفاقم أزمة المخالفات بشكل ربما أصبح مستعصيا على الحل.

الكل يعرف بالطبع مَن هو مالك العقار ومن هو الكاحول، فلماذا إذن تستمر هذه المسرحية؟ ستستمر طالما استمر المناخ الذي تنتصر فيه الحيل القانونية والفساد الإداري على القانون والعدالة.

بإسلوبه الساخر، كتب الراحل جلال عامر في إحدى مقالاته عن الكاحول في الحياة والسياسة: 
 ... فكرتنى بالحاج «سعيد» الله يرحمه، خال «التيحى» من أم تانية، كان طول النهار قاعد على ناصية الشارع يسلم على المارة (السلامو عليكو عليكم السلام.. السلامو عليكو عليكم السلام) حتى رشحناه لجائزة «نوبل» فى السلام، وكان كلما حضر الضابط وسأل (عربية مين اللى واقفه فى الممنوع؟) يرد الحاج سعيد (عربيتى)، (شقة مين المخالفة؟) (شقتى)، (الممنوعات دى بتاعة مين؟) (بتاعتى) فيسأله الضابط (هيه كل حاجة هنا بتاعتك؟)، فيرد الحاج سعيد (أصل أنا يا باشا «كاحول» الحارة)، فيهنئه الضابط ويسلم عليه ويقول له (أنت من «الكواحيل» يا سعيد).
عمارة بارتفاع 50 متر على شارع عرضه 6 أمتار - سابا باشا

الخميس، 29 نوفمبر 2012

مفردات من قاموس تدمير المدينة (1):

تأشيرة السيد المحافظ: 

هي توقيع صغير الحجم، كبير التأثير (والثمن؟!)، بيد السيد المحافظ، رأس السلطة التنفيذية في المدينة وحاكمها المحلي، يقوم بموجبه باستثناء منشآت وعقارات بعينها من الالتزام بالقانون (الذي أقسم على الحفاظ عليه) ومن التقيد باشتراطات البناء المقررة في محافظته (والتي وضعتها وأقرتها الأجهزة التخطيطية بمحافظته، بموافقته)، خاصة فيما يتعلق بالارتفاع الأقصى ونسبة البناء المسموح بهما.

يعلق الكاتب يوسف زيدان على أحد أهم أمثلة هذه الظاهرة الفريدة في مقال له نشر في جريدة «المصري اليوم» (١٨/ ٧/ ٢٠١٢)، جاء فيه:
ثم كانت الفاجعة الكبرى فى هذا السياق، عندما استطاعت إحدى شركات المقاولات الكبرى الشهيرة الحصول على تصريح ببناء (مجمع فندقى تجارى وسكنى) وكانوا يملأون المنطقة أثناء إقامته بلافتاتٍ داعرةٍ مكتوبٍ عليها: سان ستيفانو مشروع صديق للبيئة.. والتهم هذا المشروعُ، صديق البيئة، الحدائقَ الواسعة التى كانت تحيط بالفندق القديم المكوَّن من طابقين، فقط، وكانت متنفَّساً لمنطقةٍ سكنيةٍ واسعةٍ تحيط بالفندق القديم ذى الطراز الإنجليزى. وعلى المساحة الهائلة، قام مبنى مهولٌ هو المعروف اليوم بفندق «فورسيزون» ومول «سان ستيفانو» وهو مبنى فاحش الفخامة، قمىء العمارة، سميته سابقاً فى مقالةٍ عنوانها (الوحش) نُشرت لى بجريدة الوفد قبل عدة سنوات.
سان ستيفانو في الستينيات. هدم في 2001 (من موقع aaha.ch)
 سان ستيفانو جراند بلازا: فندق وشقق سكنية ومجمع تجاري على شاطئ الإسكندرية (من موقع Hotel.com)

الخميس، 25 أكتوبر 2012

علاء خالد يكتب .. أمكنة: أغنياء ثورة

فوتوغرافيا: سلوى رشاد
نشرت في جريدة التحرير بتاريخ 6 أكتوبر 2012

فى أثناء مظاهرات ثورة يناير فى الإسكندرية، بعد أن تنفضّ المظاهرة ليلا، وننسلّ من الشوارع الرئيسية إلى بيوتنا فى الشوارع الجانبية، كنا نشاهد ونسمع أزيز خلاطات الأسمنت والزلط تعمل بكل طاقاتها، بينما البلدوزرات تهدم المبانى. كانت هناك نفوس أخرى لم تشغلها المظاهرات ولا الثورة، تجهد بكل ما أوتيت من قوة لكى تغتنم لحظة التحول السائبة، لتثبيت أقدامها، وعقاراتها، وضمائرها المخالفة، فى أرض المدينة. إنهم مثل هؤلاء الذين يستغلون الكوارث الطبيعية التى تحل بالمدن، كالزلازل، ويتمشون وسط الأنقاض يتشممون قطع الذهب والنقود، والأشياء النفيسة، ويخلِّصونها من بين أشياء الحياة اليومية للموتى. استغلوا ضوضاء المظاهرات ليمرروا ضوضاءهم، وضوضاء خلاطاتهم وبلدوزراتهم، دون حساب أو ضمير ينحنى لهذه الضوضاء الجماعية أو حتى ينصت إليها. حالة انتهاك مستمرة بدأت قبل الثورة، وأخذت مداها وسطوتها فى أثناء الثورة. كأن المعجزة التى حدثت كان لها سماسرة فى الانتظار. كأغنياء الحرب هم أغنياء الثورة الذين أثروا من هذا التحول، دون أن يشارك أحدهم فى التضحية، سوى التضحية المستقبلية بمئات الضحايا المنتظرين سكنى هذه العمارات المخالفة، التى أصبح سقوطها حدثا عاديا فى الإسكندرية. أصبح عمران وعمارة المدينة تحت سيطرة مقاولين لهم أتباع يلبسون جلابيب ويلفون لاسات بيضاء على رؤوسهم، ويخفون فى الجيب الداخلى للجلباب فردة سلاح. وآخرين بلباس مدنى حديث، يبيعون قوتهم لإرساء أشكال تخصهم فى العدل. أقصد حسنى النية منهم. هؤلاء متخصصون فى إخلاء أى مبنى وتطفيش سكانه بالتهديد، أو بإغراء المال، واستخراج تصريح هدمه. أو يحرسون تعلية مبنى مخالف، والسهر أمامه، وسط كركرة الجوزة، تحسبا لأى هجوم منتظر. أو تقويض أساسات مبنى أثرى بماء النار استعدادا لاستخراج تصريح بأنه آيل للسقوط. طبعا لا يحدث هذا إلا بالتواطؤ مع مسؤولى الأحياء، والشرطة، وغيرهم. أصبحت الإسكندرية مدينة مقسمة على عائلات مختصة فى حماية رأس المال الرهيب الذى يُستثمر فى العقارات المخالفة.
فى الشهر الماضى هُدم العقار الكائن فى 2 شارع كنيسة دبانة مع صلاح سالم (شريف سابقا). وهو الشارع المهم فى وسط البلد فى الإسكندرية. تكون ضفتاه متحفا مفتوحا للعمارة الإيطالية، ولم تتغير عمارته منذ ضرب الإسكندرية 1882، باستثناء إزالة مبنى الاتحاد الاشتراكى (البورصة القديمة) بعد حرقه فى مظاهرات الخبز عام 77. وتم إدراجه منذ 2007 فى قائمة التراث العمرانى لمدينة الإسكندرية، تحت رقم 63.
هدم المبنى ترك فراغا فى الشارع. كما يترك الضرس المخلوع فراغا تظل تتحسسه بلسانك باستمرار. لماذا لا يحدث كما فى الخارج، أن يحتفظوا بالواجهة المميزة للمبانى الآيلة للسقوط ويبنوا من خلفها، لحفظ عمارة الشارع. أو أن يتم تعويض أصحابها وتحويلها لمتاحف أو غيرها من النشاطات.
قبل هدم هذا المبنى مررنا عليه كثيرا، كأننا نودعه. كان مسيَّجًا بسرادق، كأنه سرادق عزاء، وهناك جريمة وميت، يريدون أن يواروه تحت التراب سريعا.

الجمعة، 24 أغسطس 2012

نهاية حلم؟

"الإسكندرية قطر الندى، نفثة السحابة البيضاء، مهبط الشعاع المغسول بماء السماء، وقلب الذكريات المبللة بالشهد والدموع"
هكذا كتب محفوظ عن الإسكندرية في«ميرامار» (1967). وهكذا كان للإسكندرية مكان بارز في الوجدان الجمعي للمصريين جميعا، فهي لغير ساكنيها المدينة البهية المطلة على اتساع أفق المتوسط. الشواطئ، الشوارع والميادين والحدائق، العمارة الأوروبية، المواقع الأثرية، كلها تصنع عمران المدينة/عروس البحر. صورة براقة ومرحة وحالمة شارك في صياغتها عشرات من الأعمال السينيمائية والروايات والأغنيات.
...
لكننا انهكنا المدينة. وها هي الصورة الوجدانية توشك أن تخبو من الأذهان.
...
أدعوك هنا لتقرأ وتتأمل ما كتبه ميشيل حنا الكاتب والمدون في مدونة «مستنقعات الفحم» عن زيارته الأخيرة للإسكندرية. تحت عنوان "خراب الإسكندرية" كتب يقول:
"عندما رأيت الإسكندرية هذا الصيف كانت مختلفة بشكل كبير عن الصيف الماضي. في كل مكان بلا استثناء هناك بيوت مهدومة وأبراج هائلة الارتفاع بالغة القبح تصعد إلى ما لا نهاية. في القاهرة هناك حدود للارتفاع محددة بأحد عشر دورا، لكن الإسكندرية لا تعرف حدودا للارتفاع، حيث ترى قمة البرج لا تزال مزينة بالأعمدة والخشب ولا يمكنك أن تتوقع متى سيكتفون ويتوقفون، وكأن هناك سباق لبناء برج بابل."
عدسة ميشيل حنا

يتحسر ميشيل في مقاله على المنشية ومحطة الرمل وشارع فؤاد وعمود السواري. ويسجل أسباب حسرته بالكاميرا. صور تفيض بالأسى والسخط. 
والسؤال هنا: هل انتهت الصورة الذهنية الجميلة للمدينة التي تعرضت للتخريب؟
ما رأيك؟
عدسة ميشيل حنا
اقرأ المقال بالكامل هنا.

الاثنين، 16 يوليو 2012

عمارة حي الجمرك: الكارثة المنتظرة

اسكندرية 2012
المكان:
أحشاء المدينة المتعَبة.. حارة «القبو الغربي» المتفرعة من حارة «البقطاريه»، من شارع النصر، حي الجمرك. الوصول لموقع الكارثة صعب. حارة ضيقة تؤدي إلى حارة أضيق. متاهة عمرانية خانقة. 
   
الزمان:
عصر السبت، 14 يوليو 2012.
   
الجريمة:
انها الجريمة التي كنا نتوقعها جميعا وننتظر حدوثها بين لحظة وأخرى، منذ انتشار وباء البناء بدون تراخيص في الإسكندرية بعد ثورة يناير. عمارة سكنية حديثة البناء من أحد عشر دور تميل بشدة بشكل مفاجئ، قبل أن تنهار بالكامل في لحظات مثل بيت من أوراق الكوتشينة، جاذبة معها أربعة بيوت أخرى في رحلة الانهيار، لتخطف أرواحا لم نعرف بعد أعدادها بالكامل.انها أولى الكوارث، وغالبا لن تكون الأخيرة. اذهب بنفسك هناك لتسمع الحكايات المؤلمة. هنا كان يعيش عجوز لا يعرف مكانه أحد. وهنا عائلة بالكامل ابتلعتها الكارثة. الدور الأرضي يشغله مخبز بلدي كان مكتظا بالعمال والزبائن وقت الانهيار، وهو ما يعني أيضا أن هناك عدد من أنابيب البوتاجاز لا تزال ترقد تحت الأنقاض كقنابل غير موقوتة.
عن المصري اليوم - تصوير حازم جودة
تحركات المسئولين بعد وقوع الكارثة المتوقعة من الممكن أن نعتبرها جريمة أخرى. لا إمكانات. لا معدات حديثة. لا خطة لإدارة الأزمة. الأهالي يبحثون عن ذويهم بأنفسهم. قوات الأمن والجيش في حالة ارتباك مثير للغثيان. بالضبط نفس ما رأيناه وقت كارثة «عمارة لوران» التي راح ضحيتها 36 انسانا في ديمبر 2007. لم يتغير أي شيء. لم نتعلم من أخطائنا الجسيمة أي دروس. 
محاولات انقاذ بدائية يائسة
من الجاني؟
في بادئ الأمر أعلن الحاج «أحمد أكبر» مالك العقار أنه سيبني فقط دورين أو ثلاثة على قطعة الأرض التي لا تزيد عن 40 مترا مربعا، لتصبح كل دور ورشة. هكذا يروي أهالي المنطقة الفصل الأول من المأساة. لكن كما نعرف جميعا لم يعد هناك رقيب أو حسيب بعد الثورة، فلماذا لا يخالف؟ وكلما أضاف الرجل دورا بلا ترخيص وجد غيره يضيف أدوارا فوق أدوار في الجوار، وفي كل أنحاء المدينة المتعَبة، فيقرر أن يفعل مثلهم.. "الله؟ .. إشمعنَى أنا يعني.. ما كله بيبني، وكله بيخالف.. جَت عليا أن يعني؟". هكذا برر الجُرم لنفسه بالطبع. 
لكن، من ترك الحاج أحمد يشيّد جريمته ذات الأحد عشر دورا؟ كيف ارتفع البناء بالتدريج، بلا أساسات، تحت سمع وبصر مسئولي الحي التعس؟
 نحن أمام احتمالين، كلاهما مأساوي:
السيناريو الأول: أن المبنى تم بناؤه بالتنسيق مع مهندسي الحي: نعرف أن امبراطورية الفساد الإداري في مصر تحتاج عقودا ليتم تفكيكها (إذا أردنا ذلك، على فكرة). بعض الناس في الشارع يتحدثون عن "الرشاوي اليومية" التي كان مهندسو الحي يتقاضونها أثناء تشييد المبنى. إن صحت هذه التهامات، كيف أيها "الباشمهندسون" و"الباشمهندسات" تصمتون وتتقاضون ثمن صمتكم وأمامكم بناء يرتفع بلا أساسات؟ ألم تدرسوا عواقب هذه الجريمة في كلياتكم؟ أين دفنتم ضمائركم؟ وأين رؤساؤكم ورؤساء رؤسائكم؟ هل قام رئيس حي الجمرك بزيارة حارة البقطارية منذ تولى منصبه؟
السيناريو الثاني: أن مهندسي الحي قاموا بواجبهم وحرروا بالفعل محاضر وافية بمخالفات المالك، وهو ما يستوجب بالتالي أن يتم إزالة العقار بمعرفة قوات الأمن بقوة القانون. طبقا لتصريحات د. اسامة الفولي، محافظ الإسكندرية المستقيل، فإن عدد ما تم حصره بالفعل من العقارات المخالفة بعد الثورة بلغ 8 آلاف عقار مخالف، بخلاف التعليات المخالفة على العقارات القديمة. كل هذه المخالفات لم يتم إزالتها لأن قوات الأمن في الإسكندرية (وفي سائر أرجاء المحروسة) توقفت تماما منذ اندلاع الثورة عن تنفيذ القانون فيما يتعلق بمخالفات البناء.
الاحتمالان قائمان، وربما كان الأمر خليطا من الاثنين. وهكذا لم يجد الحاج أحمد من يوقفه، فاستمر في تعلية المبنى في طمأنينة كاملة لم يقطعها سوى صوت الانهيار المروع مختلطا بصرخات الضحايا.
لكن يبقى أيضا أن أسألكم: لماذا صمت المجتمع؟ لماذا صمتم جميعا يا سكان الإسكندرية؟ هل نسيتم مأساة عمارة لوران؟ ألا يعرف الجميع أن هذه العمارات تبنى بدون إشراف هندسي وبواسطة مقاولين جهلة وبأساليب بناء خاطئة؟ لماذا صمتم يا ناس؟ أتعرفون؟ الصمت على الجرم تواطؤ.


   
شهادة:
بعد الثورة بأيام قليلة، بدأ وباء البناء غير المرخص في الإسكندرية. ارتفعت الأدوار المخالفة بطول الإسكندرية وعرضها بشكل يفوق الخيال. وقتها بذل عدد من المهتمين بأمر هذه المدينة المنكوبة كل ما في وسعهم لوقف هذه المهزلة. سأذكر هنا ما عاصرته بنفسي.
عندما تحول الأمر إلى ظاهرة واضحة، سارع عدد من المعماريين السكندريين (*) بإنشاء صفحة «معا للحفاظ على عمران الإسكندرية» على فيسبوك ليدعوا سكان الإسكندرية للحفاظ عليها برصد مخالفات البناء وهدم العقارات التاريخية. استجاب الكثيرون بالفعل وشارك معهم المئات بما يشبه البلاغات عن المباني وعن التعليات المخالفة وعناوينها وصورها. وقتها كان حماس ما بعد الثورة مشتعلا، كان الجميع يحلم بمصر أجمل وأرقى ويرون الحلم قريبا جدا جدا. صفحات أخرى على فيسبوك أيضا قامت بنفس المبادرة في نفس التوقيت، منها صفحة «رصد مخالفات البناء في الإسكندرية» وصفحة «رصد مخالفات البناء أثناء الثورة» و«مقاومة المواطنين الشرفاء لمخالفات البناء»، بخلاف جهود أخرى عديدة. قام هؤلاء المعماريون بتوقيع العقارات المخالفة على خرائط في شكل تقرير مفصل. قابلوا المسئولين. قدموا للـ «منطقة الشمالية» للقوات المسلحة ما جمعوه من بيانات وعناوين وخرائط وصور. 
وانتظروا أن يتحرك المسئولون والتنفيذيون...
ومازالوا منتظرين!
مثال من مشاركات صفحة «معا للحفاظ على عمران الإسكندرية»
المخالفات التي تمت إزاتها لا تذكر. وكان من أغرب ما سمعنا في هذا الوقت أن تجاهل هذه الظاهرة المخيفة مقصود ومتعمد. فالقائمين على شئون البلاد أرادوا أن ينشغل جزء كبير من الفئات الفقيرة والمهمّشة في المجتمع في عملية البناء غير المرخص كحل مؤقت لتفادي انفجار هذه الفئات. والنتيجة: عشرات الآلاف من المباني البائسة كل منها ينتظر نفس مصير عمارة حي الجمرك بين لحظة وأخرى. أصبح البناء المخالف هو القاعدة وليس الاستثناء المجرَّم. وأصبحت البلطجة هي سيدة الموقف. في الحالات القليلة التي أزيلت منها الأدوار المخالفة، أعاد الملاك بنائها مرة أخرى! وامتد البناء إلى أراضي الدولة والأوقاف بل وقام البعض بالبناء في عرض الشارع وفي حرم خطوط السكة الحديد. لم يعد هناك شارع في الإسكندرية يخلو من مخالفة بناء.
   
السؤال الآن عن الحل. ما العمل؟ كيف سننقذ ألاف العقارات المخالفة من مثل هذا المصير المخيف؟ كيف ستنجو الإسكندرية من هذه الكارثة المتوقعة؟ هل نستطيع أن نزيل الآن كل ما بُني بشكل مخالف؟ أم سنستيقظ غدا على انهيار جديد وضحايا جدد؟ ماذا لو وقعت هزة أرضية في الإسكندرية كتلك التي ضربت القاهرة والدلتا منذ أيام؟ كم بناء سينهار حينها وكم روح ستزهق؟ هل تستطيع أن تتخيل الأرقام معي؟ هل سنجلس هكذا مكتوفي الأيدي في انتظار الكارثة؟ 
يا الله!
يقول نجيب محفوظ على لسان «الشيخ عبد ربه التائه» في «أصداء السيرة الذاتية» عندما سُئل الشيخ: "كيف الخروج من المحنة التي نعانيها؟"، فأجاب: "إذا خرجنا سالمين فهي الرحمة.. وإذا خرجنا هالكين فهو العدل."

(*) المجوعة المذكورة تكونت من كل من د. دينا سامح طه، د. مي عباس يحيى، د. ياسر عارف، م. أحمد أبو الوفا، م. محمد مهينة، وكاتب هذه السطور. وقد قام أستاذنا د. عباس يحيى بجهود عديدة لتقديم هذه البيانات إلى المسئولين في هذا الوقت.